wdbloog

أبحث عن ما تريد فى المدونة قوالب إضافات وكل شئ يخص بلوجر سوف تجده على المدونة

  • الصفحة غير موجودة ، 404

    الصفحة أو الكلمة التى تبحث عنها غير موجوده على المدونة أو تم حذفها

    يمكنك التبليغ عن رابط لا يعمل من هذا الصفحة التبليغ عن رابط لا يعمل

    ويمكنك طلب ما تريده من هذه الصفحة الدعم الفنى

    أو يمكنك العودة للصفحة الرئيسية أو البحث عن الصفحةو من جديد

    العودة للرئيسية

    ماهو الوحي

    بسم الله  الرحمان الرحيم والصلاة والسلام علی رسول الله، وعلى اله وصحبه اجمعين.  من يهده الله فلا مظل له و من يظل له الله فلا هادي له، اما  بعد،
      عباد الله، اوصيكم  و نفسي ،بتقوی الله ،
    و السمع و الطاعة ويوم يا اخواني في الله على موقعنا سوف نتحدث عن ماهو الوحي بصفة عامة ؟                                                                 مفهوم الوحي

    أ- المعنى اللغوي: قال الزمخشري: وحى أوحى إليه، ووحيت إليه، إذا كلمته عمَّا تخفيه عن غيره، ووحى وحيًا: كتب[1]

    فالوحي كلمة تدلُّ على معانٍ؛ منها: الإشارة، والإيماء، والكتابة، والسرعة، والصوت، والإلقاء في الروع إلهامًا وبسرعة وبشدَّة، ليبقى أثره في النفس[2]، وأصله: إعلامٌ في خفاء، وله صورٌ عِدَّة، وهي كلُّها تتمُّ في خفاء، فهو الإشارة السريعة، ولتضمُّنه السُّرعة قيل: أمرٌ وحي للكلام على سبيل الرمز[3].

    ب- المعنى الاصطلاحي: الوحي؛ معناه: أن يُعلِم الله - تعالى - مَن اصطفاه مَن عباده كلَّ ما أراد إطلاعه عليه من ألوان الهداية والعلم، ولكن بطريقة سرِّيَّة خفيَّة غير معتادة للبشر، ويكون على أنواعٍ شتى، فمنه ما يكون مكالمة بين العبد وربه؛ كما كلَّم الله موسى تكليمًا، ومنه ما يكون إلهامًا يقذفه الله في قلب مُصطَفاه على وجهٍ من العلم الضروري لا يستطيع له دفعًا ولا يجد فيه شكًّا، ومنه ما يكون منامًا صادقًا يجيء في تحقُّقه ووقوعِه كما يجيء فَلَقُ الصُّبح في تبلُّجه وسطوعه، ومنه ما يكون بواسطة أمين الوحي جبريل - عليه السلام - وهو من أشهر أنواع الوحي وأكثرها، ووحي القرآن كله من هذا القبيل، وهو المصطَلح عليه بالوحي الجلي[4].

    وبتعبير أشمل: الوحي كلام الله - تعالى - المنزَّل على نبي من أنبيائه، وهو تعريفٌ له بمعنى اسم المفعول؛ أي: الموحى[5].

    جـ- المعنى الشرعي (القرآني): جاء لفظ الوحي وما تصرف منه في القرآن في ثمانية وسبعين موضعًا، بالاستقراء نجد استعمال لفظ الوحي دلالة على الإعلام الخفي السريع.

    والوحي كاسم معناه: الكتاب، ومصدره (وَحْي)، وفعل (أَوْحَى) مصدره (إِيحَاء)[6]، غير أن للوحي وجوهًا دلالية يتطلَّبها السياق في القرآن على نحو مخصوص[7].

    فالمقصود بالمعنى الاصطلاحي: النبوة المأخوذة من النبأ بمعنى الخبر، وهو وصول خبر الله - تعالى - بطريق الوحي إلى من اختاره من عباده لتلقي ذلك[8].

    وذكر علماء التفسير سبعة أوجه للوحي في القرآن الكريم: 
    1- الإرسال: ﴿ إِنَّا أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ كَمَا أَوْحَيْنَا إِلَى نُوحٍ وَالنَّبِيِّينَ مِنْ بَعْدِهِ وَأَوْحَيْنَا إِلَى إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ ﴾ [النساء: 163]، ﴿ وَأُوحِيَ إِلَيَّ هَذَا الْقُرْآَنُ ﴾ [الأنعام: 19].
    2- الإشارة: ﴿ فَأَوْحَى إِلَيْهِمْ أَنْ سَبِّحُوا بُكْرَةً وَعَشِيًّا ﴾ [مريم: 11]، والبيان فيما قبلها: ﴿ قَالَ آَيَتُكَ أَلاَّ تُكَلِّمَ النَّاسَ ثَلاَثَ لَيَالٍ سَوِيًّا ﴾ [مريم: 10]، ﴿ قَالَ آَيَتُكَ أَلاَّ تُكَلِّمَ النَّاسَ ثَلاَثَةَ أَيَّامٍ إِلاَّ رَمْزًا ﴾ [آل عمران: 41]، والرمز الإشارة بالشفة والصَّوت الخفي، وعبَّر عن كل كلام كإشارة بالرمز[9]، فكان الكلام المستثنى من الحكم هو (الوحي والرمز) بمعنى الإشارة.

    3- الإلهام: ﴿ وَأَوْحَى رَبُّكَ إِلَى النَّحْل ﴾ [النحل: 68]، ﴿ وَأَوْحَيْنَا إِلَى أُمِّ مُوسَى ﴾ [القصص: 7]، فهو "إيقاع شيء في القلب يطمئنُّ له الصدر، ويخص به بعض أصفيائه"[10]، وهذا خاصٌّ بالبشر، أما البهائم فهو غريزة تجعلها تحسُّ ما ينفعها وما يضرها، قال الرازي: "قوله ﴿ وَأَوْحَى رَبُّكَ إِلَى النَّحْل ﴾ يقال: وحى وأوحى، وهو الإلهام، والمراد من الإلهام أنه - تعالى - قرَّر في أنفسها هذه الأعمال العجيبة التي تعجز عنها العقلاء من البشر[11].

    4- الأمر: ﴿ يَوْمَئِذٍ تُحَدِّثُ أَخْبَارَهَا * بِأَنَّ رَبَّكَ أَوْحَى لَهَا ﴾ [الزلزلة: 4- 5].
    5- القول: والكلام المباشر: ﴿ فَأَوْحَى إِلَى عَبْدِهِ مَا أَوْحَى ﴾ [النجم: 10].
    6- الإعلام: بالإلقاء في الروع وهو خاص بالأنبياء: ﴿ وَمَا كَانَ لِبَشَرٍ أَنْ يُكَلِّمَهُ اللَّهُ إِلاَّ وَحْيًا ﴾ [الشورى: 51]. 
    7- الوسوسة: ﴿ يُوحِي بَعْضُهُمْ إِلَى بَعْضٍ زُخْرُفَ الْقَوْلِ غُرُورًا ﴾ [الأنعام: 112].

    "فالوحي من معانيه العامة أنه الإعلام الخفي السريع، الخاص بمن يُوجَّه إليه، بحيث يخفى عن غيره، ومنه الإلهام الغريزي كالوحي إلى النحل، وإلهام الخواطر بما يلقيه الله في روع الإنسان السليم الفطرة كالوحي إلى أم موسى، ومنه وحي الناس لبعضهم البعض، ووحي الشياطين ويسمى بالوسوسة"[12].

    والرؤيا والحدس والإلهام والتحديث والفراسة: كلُّها صور للوحي، تتفاوت حسب وقوعها، غير أن النبوة خاصة بالوحي الخاص بأضرُبِه الثلاثة.

    فمن اليسير أن نتعرَّف على مفهوم الوحي بعد هذه المقدِّمة، "فما هو إلا صلة بين الرب - سبحانه وتعالى - وبين مَن يصطفيه من خلقه لتحمُّل أمانة التبليغ عن الخالق إلى الخلق، وهذه الصلة أو تلك العلاقة يصحبها علمٌ ضروري بمصدرها، ويصاحبها ظواهرُ نفسية وبدنية للمصطفى، ويتبعها آثارٌ توجيهية، يعلنها المصطفى للناس حوله"[13].

    وقد عبَّر عن المفهوم ابن خلدون بقوله: "استغراق لقاء الملك الروحاني بإدراك الأنبياء المناسب لهم، الخارج عن مدارك البشر بالكلية، ثم يتنزل إلى المدارك البشرية، كل ذلك في لحظة واحدة، بل في أقرب من لمح البصر"[14].

    وأكثر ما استعمل فيه صيغة الفعل ماضيًا ومضارعًا في القرآن، وكلمة (الوحي) وردت في ستة مواضع، كلها في العهد المكي، وهذا يبيِّن أثر هذه القضية، واعتبارها أساس ما يدور عليه العهد المكي، من صراع حول قضايا يتميَّز بها هذا الدين الجديد، ومن ثَمَّ فإن للمعرفة طريقًا جديدًا غير طريق الحسِّ والعقل، فكان يتحدَّث عن الوحي وإثباته طريقًا للمعرفة[15].

    ضرورة الوحي:
    إذا قلنا بضرورة الوحي، فيعني: ضرورة وجود صلة بين الشهادة والغيب، وضرورة معرفتنا لكلام الخالق، وضرورة كل ما له علاقة بوصول العلم من المصدر (الخالق) إلى النفس المدركة، وذاك متمثِّل في النبوة والرسالة والوحي والشرع والكتب، وكثيرٌ من السور فيها بيان للتصحيح الذي ورد في القرآن لأوضاع العالم - خاصة المعرفية - حيث بيَّن أن طرق المعرفة المتداولة غير كافية، فالوحي قضية رئيسة لتصنيف الناس إلى مسلم ومؤمن، وكافر ومشرك ومنافق، وما يتعلق بهذا التصنيف من معاملات، وتعامل بين الناس فيما بينهم، وبين كل صنف وبين خالقهم، وهو قضية مهمة لتوجيه المنهج، ومعرفة الطريق الغيبي والجانب الرُّوحاني، فغالب السور المكية كانت لإثبات مصدر آخر يُعرَض على الناس، وهو القرآن الكريم، الوحي الرباني وكلام خالق الكون؛ ﴿ حم * تَنْزِيلٌ مِنَ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ * كِتَابٌ فُصِّلَتْ آَيَاتُهُ قُرْآَنًا عَرَبِيًّا لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ * بَشِيرًا وَنَذِيرًا فَأَعْرَضَ أَكْثَرُهُمْ فَهُمْ لاَ يَسْمَعُونَ * وَقَالُوا قُلُوبُنَا فِي أَكِنَّةٍ مِمَّا تَدْعُونَا إِلَيْهِ وَفِي آَذَانِنَا وَقْرٌ وَمِنْ بَيْنِنَا وَبَيْنِكَ حِجَابٌ فَاعْمَلْ إِنَّنَا عَامِلُونَ * قُلْ إِنَّمَا أَنَا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ يُوحَى إِلَيَّ أَنَّمَا إِلَهُكُمْ إِلَهٌ وَاحِدٌ فَاسْتَقِيمُوا إِلَيْهِ وَاسْتَغْفِرُوهُ وَوَيْلٌ لِلْمُشْرِكِينَ ﴾ [فصلت: 1- 6]، وثاني سورة في المصحف كان موضوعها إثبات أن القرآن مصدر للعلم واليقين، ثم صنَّفت مواقف الناس منه إلى مؤمن وكافر ومنافق؛ ﴿ الم *ذَلِكَ الْكِتَابُ لاَ رَيْبَ فِيهِ هُدًى لِلْمُتَّقِينَ * الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِالْغَيْبِ وَيُقِيمُونَ الصَّلاةَ وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنْفِقُون ﴾ [البقرة: 1- 3]، ثم: ﴿ إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا سَوَاءٌ عَلَيْهِمْ أَأَنْذَرْتَهُمْ أَمْ لَمْ تُنْذِرْهُمْ لاَ يُؤْمِنُونَ ﴾ [البقرة: 6]، ثم: ﴿ إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا سَوَاءٌ عَلَيْهِمْ أَأَنْذَرْتَهُمْ أَمْ لَمْ تُنْذِرْهُمْ لاَ يُؤْمِنُونَ ﴾ [البقرة: 6]، بعدها فصل حال كل صنف من الناس، والأحكام النازلة والصادرة عليهم.

    وكل سورة بدأت بحروف الهجاء فبعدها يكون الكلام حول إثبات مصدرية الوحي القرآني.

    والغرض هنا ليس إثبات وجود الخالق أو صفاته أو توحيد ربوبيته، إنما هو هل الإنسان بحاجة إلى مصدر آخر إضافي إلى المصدر الأول (الكون)؟ فالاستدلال على الخالق هو قائمٌ بالفِطرة، وبخلق الإنسان، فنفس كون الإنسان حادثًا بعد أن لم يوجد، ومولودًا بعد أن لم يكن، ومخلوقًا من ماء مهين في أطوار بقرار مكين، هذا لم يُعلَم بمجرد خبر الرسول (الوحي)؛ بل يعلمه الناس كلُّهم، سواء أخبروا به أم لم يحيطوا بهخبرًا؛ لذا كان التنويه بذلك في القرآن الكريم بسياق التذكير والإقرار للناس بما هو معلوم عندهم علم يقين، وهذا ما يُصْطَلح عليه بدليل الافتقار.

    والخلاف بين المشركين في كل العصور لم يكن حول مَن الخالق؟ أو حول عظمته وصفاته، بل حول ضرورة اتخاذ وحيه مصدرًا للعلم، ومنهاجًا للحياة، بالتحاكم إليه في كل نواحي الحياة صغيرها وكبيرها؛ أي: هل هذا مصدر للحق أو معه غيره؟ ﴿ قُلْ هَلْ مِنْ شُرَكَائِكُمْ مَنْ يَبْدَأُ الْخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ قُلِ اللَّهُ يَبْدَأُ الْخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ فَأَنَّى تُؤْفَكُونَ ﴾ [يونس: 34]، فاستدل عليهم بخلقه للكون كلِّه دون شريك ولا مُعين، وأقرُّوا كلُّهم بذلك؛ لذا قال: ﴿ فَأَنَّى تُؤْفَكُونَ ﴾؛ أي: كيف تُصرفون وتنحرفون عن معرفة الحقيقة وإدراك الحق، مع إقراركم بأنه الواحد الأحد الخالق المدبِّر المتصرف في الكون؟! فمصدر العلم المستدل منه هنا هو (الكون)؛ أي: المخلوقات، بعدها انتقل إلى مرحلة ثانية هي الغاية من إيراد دليل الخلق والافتقار، والانفراد والإبداع للنظام: ﴿ قُلْ هَلْ مِنْ شُرَكَائِكُمْ مَنْ يَهْدِي إِلَى الْحَقِّ قُلِ اللَّهُ يَهْدِي لِلْحَقِّ ﴾ [يونس: 35]، فمع اتخاذهم للكون مصدرًا للمعرفة اتَّخذوا مصدرًا آخر، وهم (شركاؤهم)، فحصل في جميع العصور أن الإنسان اتخذ مصدرين للعلم والمعرفة: الأول مادي (الكون)، والثاني روحاني له صور عِدَّة؛ من روحانيات الصالحين إلى روحانية الكواكب، واتخذ للروحاني الغيبي أشكالاً، وهي رموز مشهودة كيما يكون المصدر (محسوسًا) من أصنام وأوثان وأرباب وآلهة، وهذا دليل تاريخي وفطري، بأنه لم يخلُ عصر لإنسان من اتخاذ آلهة بشتَّى أنواع المعبودات، وهذا لحاجته النفسيَّة الفطرية، وهي غريزةٌ فيه، مثلها مثل باقي الغرائز يحتاج إلى إشباعها وتلبية حاجاتها، ولو في أبسط صورها بأن يعبد هواه ويتخذه إلهًا هو في ذاته، وهؤلاء هم من جعلوا العقولَ مستغنيةً عن علوم الوحي؛ ﴿ أَرَأَيْتَ مَنِ اتَّخَذَ إِلَهَهُ هَوَاهُ أَفَأَنْتَ تَكُونُ عَلَيْهِ وَكِيلا ﴾ [الفرقان: 43]، وفي هذه الآية دليلٌ قوي على أن العقل قوة إدراكية، وما به علوم يتلقَّاها من مصادر خارجة عنه، فإمَّا أن يكون مصدرُه هواه، وهو ما تلقَّاه من علوم قبل الوحي، أو يتحاكم إلى علوم الوحي ويحاكم بينها وبين ما عنده بواسطة العقل (القوَّة الإدراكية)، وهنا يفصل العقل بين الهوى وما تشتهيه الأنفس من ملذَّات مُضِرَّة، وبين الحق الرباني وما فيه من منافع قد تنفر عنها الأنفس الخبيثة.

    بعدها قال - تعالى -: ﴿ قُلِ اللَّهُ يَهْدِي لِلْحَقِّ ﴾ [يونس: 35]، وهذا يقرُّون به، لكن يشركون غيره معه، والله جعل الحق حصريًّا به؛ ﴿ أَفَمَنْ يَهْدِي إِلَى الْحَقِّ أَحَقُّ أَنْ يُتَّبَعَ أَمْ مَنْ لاَ يَهِدِّي إِلاَّ أَنْ يُهْدَى فَمَا لَكُمْ كَيْفَ تَحْكُمُون ﴾ [يونس: 35]، وهنا قَصَم ظهورهم، فشركاؤهم لا يخاطبونهم، وإن فعلوا فهم أنفسُهم بحاجةٍ إلى هداية لكونهم بشرًا، فالموتى والأجرام السماوية لا تهديهم؛ لأنها لا تتواصل معهم أصلاً، والبشر الأحياء وأهواؤهم تحتاج إلى هداية؛ لنقصها وافتقارها إلى غيرها في تحصيل العلم، ثم ختمت الآية بالاستغراب عن معيار الصدق، والحكم الذي جعل الشركاء مصدرًا للهداية للحق؛ ﴿ وَمَا يَتَّبِعُ أَكْثَرُهُمْ إِلاَّ ظَنًّا إِنَّ الظَّنَّ لاَ يُغْنِي مِنَ الْحَقِّ شَيْئًا إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ بِمَا يَفْعَلُونَ ﴾ [يونس: 36]، فالصراع ومحل النزاع كان حول الحاجة إلى الوحي كمصدر للعلم (الهداية إلى الحق)، وكونه الوحيد الهادي إلى الحق؛ أي: هو مصدر الغيب وحده، ثم انتقل الخلاف إلى إثبات عصمة النبي، وربانية القرآن؛ أي: إنه وحي من الله - تعالى - إلى نبيه - عليه الصلاة والسلام - وهذه مرحلةٌ بعد الاعتراف بضرورة الوحي كمصدر وحيد للمعرفة والعلم؛ ﴿ وَمَا كَانَ هَذَا الْقُرْآَنُ أَنْ يُفْتَرَى مِنْ دُونِ اللَّهِ وَلَكِنْ تَصْدِيقَ الَّذِي بَيْنَ يَدَيْهِ وَتَفْصِيلَ الْكِتَابِ لاَ رَيْبَ فِيهِ مِنْ رَبِّ الْعَالَمِين ﴾ [يونس: 37].

    قال السعدي في تفسيره للآيات: "إذا تبين أنه ليس في آلهتهم التي يعبدون مع الله أوصاف معنوية ولا أوصاف فعلية تقتضي أن تعبد مع الله؛ بل هي متَّصفة بالنقائص الموجبة لبطلان إلهيتها، فلأي شيء جعلت مع الله آلهة؟ فالجواب: أن هذا من تزيين الشيطان للإنسان أقبح البهتان، وأضل الضلال، حتى اعتقد ذلك، وأَلِفه وظنَّه حقًّا، وهو لاشيء"[16]، ففطرة الإنسان وسلوكه عبر عصور تأبى عليه أن يتَّخذ الكون مصدرًا وحيدًا للعلم[17] وما في العقول من المعارف الكونية لم تكن أبدًا كافية لمسايرة الحياة النفسية والعملية، بل كان دائمًا في حاجة إلى مصدر يشبع روحه بعد ما أشبع جسده من الكون وما فيه، فإن أقرَّ بذلك كان لا بُدَّ أن يقام دليل على انفراد الخالق بكونه مصدرًا لذلك العلم وحده، والدليل مبني على دليل الافتقار له أصلاً في الخلق لأدوات المعرفة وقواها وخلق مصدر المعرفة المادي (الكون)، الإقرار بهذا مع يقين الإنسان أن قدراته لا تَصِل إلى المصدر (الخالق) يلزمه بالإقرار بطريق آخر غير الحواس، لكنَّه قابِلٌ للحس وهو الوحي، والوحي لا يدرك إلا بالنبوة، وهي ما يمكن للحواس أن تصل إليه، فالنُّبوة قوَّة إدراكية تمثِّل طورًا فوق العقل، فهي واسطة بين ما هو إلهي وما هو بشري، وهي الناقلة للكلام الإلهي والعلم الربَّاني من مصدره (الخالق) إلى القوة الإدراكية البشرية (المخلوقة)، يقول بعض الباحثين: إذا كان للإنسان حواس يحس بها وعقلٌ يعقل به، وهو مخلوقٌ لله - سبحانه وتعالى - يعيش في هذا الكون مع بني جنسه، ويتعامل مع عناصر الكون من حيوان وجماد، فهل يستطيع بحسه وعقله أن يعيش ويؤدي دوره في هذا الكون، ويقوم بوظيفة الخلافة في الأرض، ويتوجَّه في كل ما يعمل إلى الله خالقه سبحانه؟ وهل يستطيع بهذا كلِّه أن يحدِّد وظيفته، وأن تكون له معرفة صحيحة بخالقه، وبما يطلب منه؟ وهل يستطيع بهذه الكفايات - الحس والعقل- أن يعرف ما ينتظره بعد موته؟... وعجزُ الإنسان بيِّنٌ في أن يفي بهذه المعرفة، وأن يقدِّم شيئًا عنها، ومن ثمَّ فالإنسان في أشدِّ الحاجة إلى مصدرٍ آخر للمعرفة، يسلمه به العقل وتتطلَّبه فطرته[18].

    واعتماد النبوة طريقًا للمصدر الرباني هو كون الطريق الأول من الحواس لا يمكنه الوصول إلى ذلك المصدر إلا بواسطة وهي (النبوة)؛ لأن المصدر الرباني من عالم الغيب – أي: ما غاب عن الحواس - وكل ما غاب عنها لن يدركه العقل؛ لذا كان الاستدلال على صحة ويقينية المصدر الرباني، ووجود الوحي والنبوة في القرآن دائمًا من ميدان الشهادة، ومجالي الآفاق والأنفس، فإذا أقرَّ العقل بلَّغه الرسالة[19].

    فالوحي ممكن ووقوعه يُقِرُّ به العقل ويدركه، وذاك لإقراره بوجود مجالٍ لا يصل إليه مقابل للمجال الذي يدركه وهو عالم الشهادة، فلَزِمه الإقرار بوجود طريق إلى مجال الغيب ليس منه ولا في الحواس؛ لأن وجود العلم في النفس – أي: العقل - وانتقال المثال (الماهية، الحقيقة، التصوُّر) من المجال (الموضوع) المدرك إلى محل الإدراك لا بُدَّ له من نَوَاقِل، وبديهيٌّ ومسلَّمٌ أن العقل لا يملِك نواقلَ يتصل بها بعالم الغيب، ولا هو قادرٌ في الخوض في ذلك المجال، فلزمه نواقل غير الحواس لكي تصل لها الحواس، تلك النواقل هي (عقول) الأنبياء؛ لأنها تصل إلى إدراك مجال الغيب، ثم تنقله إلينا، فتتلقَّفه الحواسُّ (السمع)، وهذا ما يصطلح عليه العلماء - كابن تيمية والغزالي والرازي وغيرهم - بطريق (الخبر، والسماع، والسمع، والنقل).

    قال أبو حامد الغزالي: إن العقول قاصرة، والعقلاء أجمعهم معترفون بأن العقل لا يهتدي إلى ما بعد الموت، ولا يرشد إلى وجه ضرر المعاصي، ونفع الطاعات، لا سيما على سبيل التفصيل والتحديد، كما وردت في الشرائع، بل أقرُّوا أن ذلك لا يدرك إلا بنور النبوة[20].

    وإذا أقر العقل بقصوره عن إدراك عالم الغيب، وآمن بربوبية الخالق ووحدانيته في الألوهية، فهو في أمسِّ الحاجة للوحي؛ كيما يتصور عقيدته نحو خالقه، ويعي معنى العبادة وكيفياتها وشروطها، ويستوعب التشريعات من أوامر ونواهٍ، فليس التقرُّب من الله - تعالى - كما يريد العبد، بل كما يريد الرَّبُّ، والعبادة ليست من مقتضيات العقل، والقانون الإلهي كونه إلهيًّا أنه لم يصدر من عقول بشرية مخلوقة، وهذا ما يميِّزه عن القانون الوضعي البشري.

    "فالنبوة إحدى الضروريات التي تؤيدها العقول، ويثبتها الواقع الاستقرائي للمجتمعات الإنسانية، وذلك من خلال إجماع البشرية على عظمة هؤلاء الأنبياء، وما تميَّزت به دعوتهم من التوحيد، وتوضيح العلاقة بين الخالق والمخلوق" [21].

    ومن المقرَّر أن المعرفة الخبرية - الوَحْيِيَّة -  تكون يقينية حينما تبلغ حدَّ التَّواتر؛ حيث استحالة التواطؤ على الكذب، مع عدم تعارض مضمون هذا الخبر مع أصل من أصول العقل أو قوانينه الذاتية[22]، وهنا تظهر أهمية الوحي؛ إذ يبدأ بالإجابة عن أسئلة الإنسان الكلية ومشكلاته الكبرى، فإلى جانب الخالق والمخلوق، هناك المبدأ والمعاد، وظاهرة الكون، ومقياس الخير والشر، والقبيح والحسن، والحق والباطل، والمؤمن والكافر.

    ومن جهةٍ، فإن حقيقة الوحي تبرُز هنا كفيصل بين الإنسان الذي يفكِّر من عنده، ويشرِّع وَفق معطياته الفلسفية، والإنسان الذي يبلِّغ عن ربه، من غير زيادة أو نقصان[23].

    وقد بيَّن الكثير من العلماء أدلة (ضرورية) الوحي، قال ابن تيميَّة: لولا الرسالةُ لم يهتدِ العقلُ إلى تفاصيل النافع والضار في المعاش والمعاد[24].

    وقال الغزالي: ووراء العقل طورٌ آخر تُفتَح فيه أعين أخرى يبصر بها الغيب، وما سيكون في المستقبل، وأمور أخرى العقل معزول عنها؛ كعزل قوة التمييز عن إدراك المعقولات، وكعزل قوة الحسِّ عن مدركات التمييز، وكما أن المميِّز لو عُرِضت عليه مدركات العقل لأباها واستبعدها، فكذلك بعضُ العقلاء أَبَوا مدرَكات النبوة واستبعدوها وذلك عين الجهل؛ إذ لا مستند لهم إلا أنه طورٌ لم يبلغه العقل، ولم يوجد في حقه، فيظن أنه غير موجود في نفسه، والأكْمَه لو لم يعلم بالتواتر والسماع الألوان والأشكال، وحكي له ذلك ابتداءً - لم يفهمها ولم يُقِرَّ بها، وقد قرَّب الله - تعالى - على خلقه بأن أعطاهم نموذجًا من خاصية النبوة وهي النوم؛ إذ النائم يدرك ما سيكون من الغيب، إما صريحًا وإما في كسوة مثال، يكشف عنه التعبير، هذا لو لم يجد به الإنسان من نفسه، وقيل له: إنَّ من الناس مَن يسقط مغشيًّا عليه كالميت، ويزول عنه إحساسه وسمعه وبصره، فيدرك الغيب - لأنكره، وأقام البرهان على استحالته"، وقال: "القوى الحاسَّة أسباب الإدراك، فمَن لم يدرك الشيء مع وجودها وحضورها فبألاّ يدرك مع ركودها أَوْلى وأحقُّ، وهذا نوع قياس يكذِّبه الوجود والمشاهدة، فكما أنَّ العقل طورٌ من أطوار الآدمي يحصل فيه عينٌ يبصر بها أنواعًا من المعقولات الحواس معزولة عنها، فالنبوة أيضًا عبارة عن طورٍ يحصل فيه عينٌ لها نور يظهر في نورها الغيب، وأمور لا يدركها العقل"[25].

    فالحاجة للوحي والنبوة في كونها طورًا فوق طور العقل لا بُدَّ منها لتلقِّي العلم من المصدر (الخالق)؛ لفهم الغيب والجانب الروحاني في الإنسان، وتلبية حاجات هذا الجانب، وبلوغ الغاية من الخلافة - وهي التوحيد - لا يكون إلا بمعرفة ما يأتي عن طريق الوحي والنبوة، فالغاية من الوحي والنبوة نجدها في نصوص كثيرة، إما مفصلة أو مجملة: 
    • البشارة والنذارة: ﴿ وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلاَّ كَافَّةً لِلنَّاسِ بَشِيرًا وَنَذِيرًا ﴾ [سبأ: 28].

    • إخراج الناس من ظلمات الجهل والغَواية والضلال إلى نور الهداية؛ ﴿ الر كِتَابٌ أَنْزَلْنَاهُ إِلَيْكَ لِتُخْرِجَ النَّاسَ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ بِإِذْنِ رَبِّهِمْ إِلَى صِرَاطِ الْعَزِيزِ الْحَمِيد ﴾ [إبراهيم: 1].

    • الفصل في الخلاف، وبيان الأصول والكليات التي تقوم عليها البشرية: ﴿ وَمَا أَنْزَلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ إِلاَّ لِتُبَيِّنَ لَهُمُ الَّذِي اخْتَلَفُوا فِيهِ وَهُدًى وَرَحْمَةً لِقَوْمٍ يُؤْمِنُون ﴾ [النحل: 64]، وبوجه عام لبيان العقائد والتشريعات؛ أي: علاقة العباد بربهم؛ بمعرفة كيف يوحِّدون أفعال ربهم، ويخصُّونه بها دون غيره إقرارًا وعقيدة، وكيف يوحِّدون أفعالهم نحوه، ويختصُّونه بالعبادة والطاعة كما يريد، وكيف يتعاملون فيما بينهم ومع غيرهم، وأكثر وضوحًا أن يكون الوحي هو قانونهم دنيويًّا وأخرويًّا.

    طريق الوحي:
    قبل الكلام عن كيفية الوحي يلزمنا الكلام عن النبوة؛ لأن الوحي لا ينزل إلا على نبيٍّ، فالنبوة هي الطريق إلى معرفة الوحي الصادر عن الله - تعالى - وهي طريقٌ خارجي بأن يصطفي الله مَنْ يشاء من عباده نبيًّا ينزل إليه وحيه ويبلغه كلامه؛ ليكون واسطة بينه وبين خلقه في التبليغ، وهي ليست حاصلة لكل آحاد الناس، بل هي ربانية واختيار إلهي[26].

    فهذا الطريق طارئ على قدرات الناس، وهو خاصٌّ بأفرادٍ منهم؛ لذا كان لابد من أدلة يقيمها كلُّ من يدعي النبوة بأن قدراته تؤهِّله لاطِّلاع الوحي، وأنه أوحي إليه دون غيره من الناس؛ لأن النبوة ليست كامنة في العبد، بل هي بإذن الله - تعالى -: ﴿ وَمَا كَانَ لِرَسُولٍ أَنْ يَأْتِيَ بِآَيَةٍ إِلاَّ بِإِذْنِ اللَّهِ ﴾ [غافر: 78]، فكان لا بُدَّ من حجج، وأدلة تقام على نبوة من ادَّعاها؛ كي ما يصح بأن ما معه هو وحي من الله - تعالى - وليس اختلاقًا من عنده، فالنبي مطالَب بإثبات قضيتين هما: أن هنالك مصدرًا للمعرفة يتميز عن المصدر العادي (الكون)، وهو الوحي الرباني، ثم عليه أن يُثبِت أن له القدرة على الوصول إلى ذلك المصدر والإبلاغ عنه؛ أي: اختصاصه دون غيره بنقل الوحي إلى الناس، وإلاَّ أصبح الأمر فوضى، وكثرة دعاوي النبوة والاصطفاء والاتِّصال بالغيب كما عُهِد في كل عصر[27].

    فالنبوة ثبوتها قائم بدليل التواتر في كل العصور من لَدُن آدم - عليه السلام - فكان أوَّلَ مَن يُصطفى أبو البشرية: ﴿ إِنَّ اللَّهَ اصْطَفَى آَدَمَ وَنُوحًا وَآَلَ إِبْرَاهِيمَ وَآَلَ عِمْرَانَ عَلَى الْعَالَمِينَ ﴾ [آل عمران: 33]، غير أنه كون فلان من الناس نبيًّا قائمًا على حصول علم خالص له، وثبوت نبوته له هو نفسه، فهذا الأمر يحتاج إلى أن يتثبَّت منه النبي أوَّلاً قبل غيره، ويكون يقينه به أعلى من يقين غيره من الناس؛ لذا نجد أن كل الأنبياء خصهم الله - تعالى - بمعجزات موجَّهة لهم هم أوَّلاً؛ كيما يوقنوا أنهم أنبياء، وأن الوحي ينزل عليهم دون غيرهم، فإذا أيقنوا ذلك جهروا بنبوتهم وبلَّغوا ما أُمِروا، وأعلنوا أن لهم اتصالاً بالوحي، فالمعجزات تكون دليلاً للنبي، ثم دليلاً لغيره، بأن ما يجد في نفسه من علم إنَّما هو وحيٌ أُلقِي إليه، وأنَّ الخطاب الذي سمعه هو كلام حقيقي غير أنه اختُصَّ بسمعه دون غيره؛ قال - تعالى - عن قصة موسى: ﴿ وَمَا تِلْكَ بِيَمِينِكَ يَا مُوسَى * قَالَ هِيَ عَصَايَ أَتَوَكَّأُ عَلَيْهَا وَأَهُشُّ بِهَا عَلَى غَنَمِي وَلِيَ فِيهَا مَآَرِبُ أُخْرَى * قَالَ أَلْقِهَا يَا مُوسَى * فَأَلْقَاهَا فَإِذَا هِيَ حَيَّةٌ تَسْعَى * قَالَ خُذْهَا وَلاَ تَخَفْ سَنُعِيدُهَا سِيرَتَهَا الأُولَى * وَاضْمُمْ يَدَكَ إِلَى جَنَاحِكَ تَخْرُجْ بَيْضَاءَ مِنْ غَيْرِ سُوءٍ آَيَةً أُخْرَى * لِنُرِيَكَ مِنْ آَيَاتِنَا الْكُبْرَى ﴾ [طه: 17- 23]، فالآيات المعجِزات كانت موجهة له هو ﴿ لِنُرِيَكَ ﴾؛ كي ما يتيقن من أنه نبي، وأن الكلام الذي يسمعه هو كلام الله - تعالى - ثم قال عنه: ﴿ وَإِذْ آَتَيْنَا مُوسَى الْكِتَابَ وَالْفُرْقَانَ لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ ﴾ [البقرة: 53]، وهذا حصول العلم الضروري اليقيني الذي لا يمكن للبشر الحصول عليه بقدراتهم، من اطِّلاع الغيب الماضي دون دراسة، ولا خبر متواتر من الناس، ولا شهود لذلك الماضي، والإخبار بما غاب عنه في الحال: ﴿ وَأُنَبِّئُكُمْ بِمَا تَأْكُلُونَ وَمَا تَدَّخِرُونَ فِي بُيُوتِكُمْ ﴾ [آل عمران: 49]، ومعرفته بالغيب المستقبل الذي لم يقع: ﴿ وَقَالَ يَا أَبَتِ هَذَا تَأْوِيلُ رُؤْيَايَ مِنْ قَبْلُ قَدْ جَعَلَهَا رَبِّي حَقًّا ﴾ [يوسف: 100]، فهذا العلم الخاصُّ الواقع في صدور الأنبياء يحتاج إلى دليلٍ يميزه عن الهَذَيان، وهو دليلٌ يقيني محسوس، يؤكد للنبي نفسِه أن ذلك العلم هو وحي من الله - تعالى - له، وأنه اصطفاه دون غيره بالنبوة.

    والنبي يمتاز - مع كونه بشرًا - أنَّه رجل عاقل مصطفًى مختار من الله - تعالى - لإبلاغ الوحي، يتكلَّم بلغة قومه، يُثبِت نبوَّته بمعجزات، يقرُّون بأنها ليست من فعل البشر[28]؛ قال - تعالى -: ﴿ وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ إِلاَّ رِجَالاً نُوحِي إِلَيْهِمْ ﴾ [يوسف: 109]، ﴿ وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا رُسُلاً مِنْ قَبْلِكَ وَجَعَلْنَا لَهُمْ أَزْوَاجًا وَذُرِّيَّةً ﴾ [الرعد: 38]، ﴿ وَمَا أَرْسَلْنَا قَبْلَكَ مِنَ الْمُرْسَلِينَ إِلاَّ إِنَّهُمْ لَيَأْكُلُونَ الطَّعَامَ وَيَمْشُونَ فِي الأَسْوَاقِ ﴾ [الفرقان: 20]، وهذا يُثبِت بشريتهم؛ ﴿ وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ رَسُولٍ إِلاَّ بِلِسَانِ قَوْمِهِ لِيُبَيِّنَ لَهُمْ ﴾ [إبراهيم: 4]، واللغة هنا لتسهيل الخطاب، ﴿ وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا مُوسَى بِآَيَاتِنَا وَسُلْطَانٍ مُبِين ﴾ [هود: 96]، والآيات هي المعجزات كيما يسهل على الناس التمييز بين النبي ومدَّعي النبوة، فالله - تعالى - رَحِم عباده بأن أيَّد رسله وأنبياءه بمعجزات خارقة لقانون الكون، لا يقدِر عليها البشرُ تميز أن النبي بشرٌ كغيره؛ غير أن معه تأييدًا وقدرات ربانية دليلاً على نبوَّته وعصمته، فهنا يثبت للطريق (النبي) المصدرية، وعصمته (اليقين)، وصِلَته بالمصدر (الوحي)، وقدراته الإدراكية الخاصة، التي هي فوق طَور عقول البشر العادية (النبوة).

    فيتبيَّن للناس مصدر العلم وطرق ووسائل الأخذ منه، والوحي هنا يدخل في باب الأخبار، والخبر لا يصل إليه العقل إلا عبر الحواس: "فالاختلاف في طريقة إخبار الله - تعالى - للنبيِّ بأنَّه نبي لا يغيِّر من الحقيقة شيئًا، وهي أن الله - سبحانه - يكفل من الدَّلائل ما يثبِّت به فؤاد النبي، ويجعله موقنًا بأنَّه نبي، والنبي وإن كان يشارك الناس في بشريتهم وإنسانيتهم إلا أن الله - سبحانه - يكلؤه قبل بعثته بعين رعايته، فيجعله صافيَ الفطرة، بعيدًا عن التلوُّث والكبائر والمعاصي؛ لأنه - سبحانه - يجعل مصطفاه من خير خلقه وأحسنهم استعدادًا لقبول دعوته، حيث يقول: ﴿ اللَّهُ أَعْلَمُ حَيْثُ يَجْعَلُ رِسَالَتَهُ ﴾ [الأنعام: 124]"[29]، وحُجَج النبي لغيره هي له كذلك، وهو أَوْلى النَّاس بالاستجابة لها؛ لأنه أفقه الناس وأكثرهم شعورًا بها.

    والناس بعد عرض النبي لما معه من الوحي وإعلانه بنبوَّته منقسمون؛ فمنهم مَن سمع بوجود الأنبياء وتواترهم، فهو يحتاج إلى دليل تَعيُّن النبوة في شخص مَن ادعاها، فتعرض عليه المعجزات والآيات المثبِتة صدق النبي، وأنه مخاطب بالوحي من رب السموات والأرض.

    ومنهم مَن لم يسمع ولا يؤمن بوجود النبوة، فهو بحاجةٍ لدليلين على مرتبتين: 
    الأولى: إثبات إمكان النبوة، ونزول الوحي، وضرورته وأهميته. 
    والثانية: إثبات أن هذا الرجل نبيٌّ مبلغ بالوحي من مصدره.

    وهذان القسمان أصنافٌ فمنهم: المؤمن، والكافر، والكافر منهم: أهل الكتاب، والمشرك، والملحد، والمنافق، وليس الخوض في هذا من مباحثنا.

    وأهمية النبوَّة تكمن في أنها الطريق الوحيد لوصول الوحي إلى العقل، وهي الفارق بين أهل الإيمان وأهل الكفر، بين مَن يتجاوَز مجال الشهادة إلى مجال الغيب، ومَن يهمل أو ينكر مجال الغيب، ووجودها دليل إمكانها، وتواترها ينفي الشك في ثبوتها، وإمكانها دليل أهميتها؛ لأنها لم تكن عن عبث بل لغاية وحاجة لها، ولأهميَّتها أكثر العلماء الخوض في إثباتها، وأطالوا البحث في معجزاتها المثبتة لها، فتكلَّموا عن معنى المعجزة وحقيقتها، وعلاقتها بالله - سبحانه وتعالى - وبالنبي، ومدى إثباتها لصدقه، وفرَّقوا بينها وبين غيرها من الخوارق والكرامات والسحر والشعوذة، محاوِلين دفع كلِّ الضَّلالات والشُّبُهات العالِقة في عقول البشرية عبر التاريخ، وتصفية وتنقية طريق النبوَّة؛ كيلا يخلط الخبيث بالطيب، ويدرأ عن طريق الوحي كلَّ التشكيكات الفلسفية، وينفي عنه كلَّ الخرافات والضلالات الوثنية، فالمجتمع الإسلامي تعرَّض لتوسُّع رهيب، وامتزاج ثقافات وأفكار وآراء مع أمم وأديان متعدِّدة، فظهرت شُبَه لا عهد للجيل الأوَّل بها، ولم يكن لها سابقة في عهدة النبوة، "لما افتتن به فلاسفة المسلمين من فكرٍ يوناني وَثَنِيِّ الأصل، وإن كانت فيه مِسحة دينية بما طَرَأ عليه من شروح أهل الكتاب وتَفَلسُفِهم، وبتأثير ديانات الهند الشرقية، ولكن من الفكر ما لم يكن فيه أصلاً أثرٌ للنبوة طريقًا للمعرفة، وإن كان ثمة أثر فهو أثر لعقول موفِّقة بين الدين والفلسفة، لكن الطابع العام له عقلي فلسفي، والعقل في نظر الفلسفة - كما أصبح على أيدي فلاسفة المسلمين - طريق معصوم للمعرفة، وهو الذي يوصل إلى الحقيقة، موازٍ لطريق النبوة المعصوم، بعد أن كان العقل هو الطريق المعصوم للمعرفة فحسب عند أسلافهم من اليونانيين، ولكنَّ الاعتراف بالوحي وبالعقل طريقين للمعرفة على أيدي فلاسفة المسلمين - كان كلمة حق أريد بها باطل؛ ذلك أن الحكمة عندهم توازي الديانة أو الشريعة، وأن الفيلسوف يستطيع أن يصل إلى الحق كما يصل النبي إلى الشريعة[30].

    وهذا خلاف ما ورد في القرآن باختصاص الوحي، والكتاب، والحكمة، والفرقان، والمعجزات، وكلام الله - تعالى - بطائفة دون غيرهم، وأن هذه الطائفة رجال يصطفيهم ويعصمهم من الخطأ في النقل، ويخصُّهم بالعلم الضروري الغيبي، ويخلصهم من العيوب التي قد تُشكِّك في نقلهم لذلك العلم.

    والنبي يُرسل بآيتين: متلوَّة، ومخلوقة؛ فالأُولى: هي الوحي والكتاب والحكمة والفرقان والسلطان المبين، والثانية: هي خوارق من إحياء الموتى، وشفاء من لا يبرأ أصلاً، وعلامات كثيرة لا يقدر عليها غيرهم لإذن الله - تعالى - لهم وحدهم، والاصطلاح على الآيات باسم المعجزات هو من أهل الكلام، وتم قبوله؛ لأنه لا أثر يترتب عنه.

    طريق الوحي:
    النبوة ربانية؛ ﴿ وَالنَّجْمِ إِذَا هَوَى * مَا ضَلَّ صَاحِبُكُمْ وَمَا غَوَى * وَمَا يَنْطِقُ عَنِ الْهَوَى * إِنْ هُوَ إِلاَّ وَحْيٌ يُوحَى * عَلَّمَهُ شَدِيدُ الْقُوَى ﴾ [النجم: 1- 5].

    وكيفية الوحي لا تُعلَم إلا بالنصِّ الثابت عن مَن أُوحِي إليه؛ لأنه هو الأدرى بما أوحي إليه، وكيف ومتى، فلا يصحُّ في تفسير الكيف كلامُ الفلاسفة، ولا منامات المخرِّفين، ولا ضلالاتُ الملفِّقين بين ما هو عقلي وما هو وحيي.

    ورد لفظ الوحي (78) مرة بتصاريفه في القرآن الكريم، وعبَّر عنه بالإنزال في حوالي (27) آية، غالبها عن إنزال الوحي، وبعضها في إنزال معجزات الوحي.

    كما عبَّر عنه بالتكلُّم والإلقاء: ﴿ إِنَّا سَنُلْقِي عَلَيْكَ قَوْلاً ثَقِيلاً ﴾ [المزمل: 5]، وعبَّر عنه بالكتاب، والذكر، والفرقان، وأسماء الكتب، والآيات، والسور.

    وكيفيات الوحي ذُكِرت في القرآن الكريم مفصَّلة في آيات عِدَّة، وذُكِرَت مجتمِعة في آية واحدة وهي قوله - تعالى -: ﴿ وَمَا كَانَ لِبَشَرٍ أَنْ يُكَلِّمَهُ اللَّهُ إِلاَّ وَحْيًا أَوْ مِنْ وَرَاءِ حِجَابٍ أَوْ يُرْسِلَ رَسُولاً فَيُوحِيَ بِإِذْنِهِ مَا يَشَاءُ إِنَّهُ عَلِيٌّ حَكِيمٌ ﴾ [الشورى: 51]، فهذه ثلاثة كيفيَّات، وهنا الوحي قسم من التكلم العام، وفي آيات أخرى مثل: ﴿ إِنَّا أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ كَمَا أَوْحَيْنَا إِلَى نُوحٍ وَالنَّبِيِّينَ مِنْ بَعْدِهِ ﴾ [النساء: 163]، فالوحي هنا قسيمٌ للتَّكليم العام، وفي قوله: ﴿ وَكَلَّمَ اللَّهُ مُوسَى تَكْلِيمًا ﴾ [النساء: 164]، التكليم هنا خاصٌّ بموسى دون غيره، وهو قسم من الوحي العام والتكليم العام، وقسيم للوحي الخاص.

    أمَّا كيفيَّات الوحي فتفصيلها كالآتي:
    الكيفية الأولى: الوحيُ الخاصُّ، وهو إعلامٌ في خفاء بإلقاء الكلام في الروح؛ أي: يقذف العلم في قلب النبي فيجده عن غير جهد، ولا نشاط فكري، بل يكون حصولاً ضروريًّا، ويشعر بأنه طارئ بعد أن لم يكن، فيكون بيِّنةً له على أنه يتلقَّى من مصدر خارجي عن نفسه وعن قدراته العقلية.

    قال بعض أهل التفسير: "إن المراد بالوحي هنا الإعلام في المنام"[31]، وهنا تدخل الرؤيا، وهي ما يراه النائم من صورٍ وعلومٍ حالَ نومه وغياب حواسه وعقله عن العالم المحيط به، ومتَّفقٌ على أن رؤيا الأنبياء حق؛ ﴿ قَدْ صَدَّقْتَ الرُّؤْيَا إِنَّا كَذَلِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ ﴾ [الصافات: 105]، وهذه رؤيا إبراهيم - عليه السلام - يذبح إسماعيل، وكان تصديقه لها بامتثال ما أمر به؛ {وَقَالَ يَا أَبَتِ هَذَا تَأْوِيلُ رُؤْيَايَ مِنْ قَبْلُ قَدْ جَعَلَهَا رَبِّي حَقًّا} [يوسف: 100]، وهذه رؤيا يوسف وبشارة تمكُّنه في الأرض.

    أمَّا رؤيا الناس فقد تصدق، وقد تكون أضغاث أحلام، وهي من بقايا النُّبوَّة، ومن أدلة إمكان ثبوت النبوة عقلاً وواقعًا: ﴿ يَا أَيُّهَا الْمَلأُ أَفْتُونِي فِي رُؤْيَايَ إِنْ كُنْتُمْ لِلرُّؤْيَا تَعْبُرُونَ ﴾ [يوسف: 43]، وقد وقعت رؤيا عزيز مصر كما رآها وفسَّرها يوسف - عليه السلام - فكانت حقًّا: ﴿ قَالَ أَحَدُهُمَا إِنِّي أَرَانِي أَعْصِرُ خَمْرًا وَقَالَ الآَخَرُ إِنِّي أَرَانِي أَحْمِلُ فَوْقَ رَأْسِي خُبْزًا تَأْكُلُ الطَّيْرُ مِنْه ﴾ [يوسف: 36]، وقد وقعت الرؤيا.

    غير أنَّ الرؤيا تحتاج إلى تعبيرٍ وهو تفسير، وهذا علمٌ خاصٌّ له أهله وشروطه، ولا يؤتاه أيُّ أحد؛ ﴿ رَبِّ قَدْ آَتَيْتَنِي مِنَ الْمُلْكِ وَعَلَّمْتَنِي مِنْ تَأْوِيلِ الأَحَادِيثِ ﴾ [يوسف: 101]، فدلَّ على أن تعبير الرُّؤيا علم خاصٌّ يعلِّمه الله لمن يشاء، وقد أجمع العلماءُ على أن المنامات والرُّؤى لا يفتى بها ولا تكون دليلاً على صحة أو فساد، إلا رؤى الأنبياء؛ لأنها وحي، وأما رؤى الصالحين فهي للإرشاد إلى الدَّليل وليست دليلاً بذاتها، فالقذف في الرُّوح فسَّره الكثير بأنَّه إعلامٌ في المنام، وهذا هو المسمى إلهامًا.

    الكيفية الثانية: أن يكلِّم الله - تعالى - النبي من وراء حجاب مباشرة بلا واسطة، يسمع النبيُّ كلامَ الله - تعالى - من غير أن يراه، كما كلَّم الله موسى - عليه السلام - دون أن يرى موسى ربَّه، وهو خاصٌّ به وبنبيِّنا - عليهما الصلاة والسلام - وآدم في الجنة؛ قال - تعالى - لموسى: ﴿ قَالَ يَا مُوسَى إِنِّي اصْطَفَيْتُكَ عَلَى النَّاسِ بِرِسَالاَتِي وَبِكَلاَمِي ﴾ [الأعراف: 144]، ﴿ قَالَ رَبِّ أَرِنِي أَنْظُرْ إِلَيْكَ قَالَ لَنْ تَرَانِي ﴾ [الأعراف: 143]، وذهب جمهور أهل السُّنَّة على أن كلام الله - تعالى - صفة ذاتية ثبوتية قديمة.

    الكيفية الثالثة: أو يرسل رسولاً كجبريل - عليه السلام - فيُوحِي المَلِك إلى الرسول من البشر بأمر الله، وهذه الصُّورة هي غالب ما أُنزِل من القرآن على النبي: ﴿ إِنْ هُوَ إِلاَّ وَحْيٌ يُوحَى * عَلَّمَهُ شَدِيدُ الْقُوَى ﴾ [النجم: 4- 5]، قال السعدي: "ثم ذكر المعلم للرسول - صلى الله عليه وسلم - وهو جبريل - عليه السلام - أفضل الملائكة وأقواهم وأكملهم"[32].

    ونزول المَلَك؛ إمَّا على صورته فلا يراه إلا النبي، أو يكون في صورة رجل كما ثبت في السنة[33].

    فينزل بالوحي على قلب الرسول: ﴿ نَزَلَ بِهِ الرُّوحُ الأَمِينُ * عَلَى قَلْبِكَ لِتَكُونَ مِنَ الْمُنْذِرِينَ ﴾ [الشعراء: 193- 194]، وقد وُصِف المَلَكُ بأنَّه روح وقدس وأمين وشديد القوى ومكين، وكلُّها صفاتٌ للرسول الملائكي دالَّة على عناية الله - تعالى - بنقل الوحي؛ لأنَّ الناقل هو من أهل الأمانة والتمكُّن والمرتبة العالية عند ربِّه وهو روح القدس؛ لأنه ينزل بما فيه حياة قلوب الناس، فالله كلَّف أقوى وأمكَن ملائكتِه بنقل وحيه وهذا تعظيمٌ لوحيه، فعظمة الرسالة من عِظَم المُرسِل، وعظمة الرسول الحامل لها.

    كما بيَّن الله - تعالى - أنه حَفِظ وحيَه من التَّحريف بأن هيَّأ له الطريق حتى وصول بلاغه إلى الناس، عبر رسولٍ بشريٍّ معصوم من الخطأ وأمين على ما بلَّغ، ﴿ مَا ضَلَّ صَاحِبُكُمْ وَمَا غَوَى * وَمَا يَنْطِقُ عَنِ الْهَوَى * إِنْ هُوَ إِلاَّ وَحْيٌ يُوحَى * عَلَّمَهُ شَدِيدُ الْقُوَى ﴾ [النجم: 2- 5]: فبيَّن صدق وأمانة الرسول، وأنه لا يكذب ولا يختلق شيئًا من عنده، وبيَّن أن معلِّمَه متمكِّنٌ من تبليغه الوحي؛ ﴿ وَلَوْ تَقَوَّلَ عَلَيْنَا بَعْضَ الْأَقَاوِيلِ *لأَخَذْنَا مِنْهُ بِالْيَمِينِ * ثُمَّ لَقَطَعْنَا مِنْهُ الْوَتِينَ ﴾ [الحاقة: 44- 46]، ولم يحدث ذلك فدلَّ على أنَّه لم يتقوَّل شيئًا من عنده؛ ﴿ وَمَا هُوَ عَلَى الْغَيْبِ بِضَنِينٍ ﴾[التكوير: 24]، فلا يبخل بشيء مما يعلم من الغيب - وهو الوحي - فهو حريصٌ على إبلاغ كل ما أُمِر به؛ ﴿ لَقَدْ جَاءَكُمْ رَسُولٌ مِنْ أَنْفُسِكُمْ عَزِيزٌ عَلَيْهِ مَا عَنِتُّمْ حَرِيصٌ عَلَيْكُمْ بِالْمُؤْمِنِينَ رَءُوفٌ رَحِيمٌ ﴾ [التوبة: 128]، والله تكفَّل بذلك بحفظ كلامه؛ ليصل إلى عباده عبر أنبيائه كما أراد: ﴿ إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ ﴾ [الحجر: 9]، فالله هو مَن اختار رسله عن علم؛ ﴿ اللَّهُ يَصْطَفِي مِنَ الْمَلاَئِكَةِ رُسُلاً وَمِنَ النَّاس ﴾ [الحج: 75]، فالنُّبوَّة ليست صفةً راجعة إلى النبي بكسبٍ أو رياضة أو اتِّصالاتٍ روحانية، بل منحة من الله يخصُّ بها مَن يشاء؛ لذا كان جهر الأنبياء كلهم بأنَّهم بشرٌ كباقي الناس، غير أنهم كُلِّفوا دون غيرهم بنقل الوحي للناس: ﴿ قُلْ لاَ أَقُولُ لَكُمْ عِنْدِي خَزَائِنُ اللَّهِ وَلاَ أَعْلَمُ الْغَيْبَ وَلاَ أَقُولُ لَكُمْ إِنِّي مَلَكٌ ﴾ [الأنعام: 50]، ﴿ قُلْ سُبْحَانَ رَبِّي هَلْ كُنْتُ إِلاَّ بَشَرًا رَسُولاً ﴾ [الإسراء: 93]، ﴿ قُلْ لاَ أَمْلِكُ لِنَفْسِي نَفْعًا وَلاَ ضَرًّا إِلاَّ مَا شَاءَ اللَّهُ وَلَوْ كُنْتُ أَعْلَمُ الْغَيْبَ لاَسْتَكْثَرْتُ مِنَ الْخَيْرِ وَمَا مَسَّنِيَ السُّوءُ إِنْ أَنَا إِلاَّ نَذِيرٌ وَبَشِيرٌ لِقَوْمٍ يُؤْمِنُون ﴾ [الأعراف: 188]، فبشرية الرسول وربانية الوحي دليلٌ على عصمة الوحي، للإجماع أن كل ما هو بشري عرضة للخطأ والكذب، فكان الرسول يبلغ بما هو فوق طاقة العقل البشري على أن يأتي به، أو يصل إليه؛ أي: فوق مجال الخطأ والكذب.

    مجال النبوة:
    الحواسُّ تصل إلى ما هو في مجالها، وقد اصطلح عليه بمجال الشهادة، أمَّا ما لا تصل إليه فهو مجالُ الغيب، وهذا المجال هو مجال النبوة؛ أي: إن الوحي طريقٌ لإدراك مجال الغيب، فالإيحاء غيبي وما يوحى به – الوحي - هو مشهودٌ مسموعٌ ومقروءٌ، والوحيُ وَسَط بين مجال الغيب وما فيه، وبين مجال الشهادة، والموحى إليه ينفرِد بالاطلاع على مجال الغيب، ونقل ما بلغ إلى مجال الشهادة؛ كي ما تصل له الحواس ويدركه العقل.

    غير أن الموحى به ليس كلُّ ما في مجال الغيب، بل جزء منه "فالوحي هو الطريق المعصوم للمعرفة، فهو من عالم الغيب، ومتوجِّه إلى عالم الشهادة، وغايته هداية الإنسان في الأرض لعبودية الله - عز وجل - وهو يزوِّده بما يلزمه معرفته للعمل به في عالم الشهادة، وبما ينتظره من مصيرٍ في عالم غيب لا يشاهد... ومجال المعرفة التي ينزل بها الوحي إنما هو نوعها ومجالها وعالم الشهادة وعالم الغيب[34].

    فالعقيدة والعبادة ليستا من نتاج العقول البشرية، بل لا بُدَّ لها من نصوص وحي تبيِّن أن هذا واجبٌ وجائزٌ، وهذا ليس بجائز.

    كما شمل مجالُ الوحي العلاقات الاجتماعية والأسرية، بين الأفراد والمجتمعات، فبيَّن أحكامَ الزواج، وآدابَ العلاقات الأسرية والجوارية بين الناس، وعلاقة الراعي بالرعية، والدُّوَل مع بعضها، والشُّعوب مع غيرها، وإن كان للعقول البشرية نصيبٌ في ذاك، إلا أنها لا تصل إلى درجة التشريع الكامل العادل، والدليل على هذا أوضح من أن يُفَصَّل.

    والأخلاق وعلم السلوك؛ أي: معرفة الحسن والقبيح، والجائز والمحرَّم، كلها لا دخل للعقل فيها سوى الفهم والإدراك والالتزام، و للفطرة دورٌ في الميل نحو الخير.

    فالوحي جاء ليشمل كلَّ نواحي مجال الشهادة، فكان التَّكامُل بين ما هو غيبي وما هو مشهود.

    وكما تبيَّن في مصدر الكون أن له مجالاً تصل إليه الحواسُّ والعقول وهو مجال الشهادة، وآخر لا تصل إليه العقول وهو مجال الغيب، فالمصدر (الخالق) مجالان الأول غيب معلوم يصبح من عالم الشهادة بواسطة الخبر، وغيب لا يطَّلع عليه أحدٌ غير الله - تعالى - وهذا المجال هو مفاتيح الغيب: ﴿ وَعِنْدَهُ مَفَاتِحُ الْغَيْبِ لاَ يَعْلَمُهَا إِلاَّ هُوَ ﴾ [الأنعام: 59]، فمن الغيب مجال أذن به الله - تعالى - فأطلع عليه ملائكته فقط، وآخر أطلع عليه ملائكته ورسله فقط، وآخر أطلع عليه الناس عبر الرسل، ومجال هو مفاتيح الغيب اختصَّ بها - تعالى - لا يطَّلع عليها أحد.

    فالوحي هو جزءٌ من مجال الغيب في المصدر الإلهي، والكون كمصدر للمعرفة مجالاته مشهودة ومغيبة، ومجالات الغيب فيه نسبية وإضافية.

    أما الخالق كمصدر للمعرفة فمن مجالاته ما هو مشهودٌ لملائكته، ومنها ما هو مشهود لرسله، ومنها ما يصل بالخبر للناس، والباقي إمَّا غيبٌ نسبي يُطلِع عليه مَن يشاء وقت ما شاء، أو غيب مطلق لا يطَّلع عليه أحد إلا هو.

    وهذا التَّقسيم رُوعِي فيه الدنيا والآخرة، فكان الأَوْلى تقسيم المصادر إلى مصدر مخلوق ومصدر خالق، والمخلوق مجالاته الشهادة والغيب، ومجال الغيب الملائكة والعرش والسماوات السبع والجنة والنار، فالغيب هو الخفي الذي لا تصل إليه الحواس، وهو على قسمين: قسم نُصِب عليه دليلٌ فيمكن معرفته؛ كذات الله - تعالى - وأسمائه، وأحوال الآخرة، وقسم لا دليل عليه فلا يمكن للبشر معرفته؛ وهو مفاتح الغيب، قال الكفوي: "وغيب الغيب هو الذات الإلهية المطلقة، والغيب المطلق كوقت الساعة لا يُعلم إلا بخبر الله - تعالى - والغيب الإضافي كنزول الغيث"[35].

    ومفاتيح الغيب خمسة بيَّنها النبي - صلى الله عليه وسلم -: "متى تقوم الساعة، وما تغيض الأرحام، وما هو في غد، وبأي أرض تموت كلُّ نفس، ومتى ينزل الغيث"[36]، وفي التفسير أقوال عدة[37]، غير أنَّنا لسنا مطالبين بكشفها؛ لأن الخوض فيها لا طائل منه، ولو كان خيرًا لسبقونا إليه، ونحن معشر المؤمنين بعالم الغيب وما فيه من الملائكة وهم جند الله الأكبر، وما لهم من التأثير والتدبير في عالم الشهادة المادي - بإذن الله - وتسخيره - نعتقد أن لله - تعالى - سُنَنًا في نظام ذلك العالم غير سننه الخاصَّة بعالم المادة، وأنَّ الإنسان هو حلقة الاتصال بين العالمَين، فجسده ووظائفه الحيوية من عالم الشهادة وروحه من عالم الغيب[38].

    وينبغي أن يعلم أن الوحي هو (موضوع مدرك)؛ أي: يفهم ويدرس ويتدبر فيه ليستنبط منه، "وأحسن الأدلة العقلية هي التي بينها القرآن وأرشد إليها الرسول، فينبغي أن يعرف أن أجلَّ الأدلة العقلية وأكملها وأفضلها مأخوذ عن الرسول، فإن من الناس من يذهل عن هذا ويقدح في الدلائل العقلية مطلقًا؛ لأنه صار في ذهنه أنها هي الكلام المبتدع"[39].

    خصائص الوحي المعرفية:

    أ- ربانيَّة المصدر: ﴿ قُلْ مَا كُنْتُ بِدْعًا مِنَ الرُّسُلِ وَمَا أَدْرِي مَا يُفْعَلُ بِي وَلاَ بِكُمْ إِنْ أَتَّبِعُ إِلاَّ مَا يُوحَى إِلَيَّ وَمَا أَنَا إِلاَّ نَذِيرٌ مُبِينٌ ﴾ [الأحقاف: 9]، فالعلم الموحى به محفوظ من التحريف والتبديل، مؤتمن الطريق كي ما يصل إلى الناس، وهم على يقينٍ أنه من المصدر كما أُنزِل، فقد تكفَّل الله - تعالى - بعصمة رسله، والنص الموحى مقدَّس، وعلى أعلى درجات اليقين، هذا التأكيد على ربانية المصدر يعطي العلم المأخوذ من الوحي قيمةً أساسية وكبرى بين غيره من العلوم، ويكسِبه مركز الثقة ومحور اليقين فيكون معيارًا لغيره في الخطأ والصواب، والكذب والصدق، والحق والباطل؛ أي: هو المرجع والمعيار للحقيقة والحق، وهو الحكم.

    والمصدرية هذه لا تلغي الفكر البشري، بل تكسبه ثقة ويقينًا أكثر في وضع معيار لتقويم أفكاره، وعقائده وما أخذه عن عالم الشهادة، كما تمنحه دور الفهم المعلم المأخوذ من المصدر الرباني وجعلِه قاعدة للتحاكم: "فليس له أن يتلقَّى هذا التصور - من المعرفة النبوية - بمقرَّرات سابقة يستمدُّها من أيِّ مصدر آخر، أو يستمدها من مقولاته هو نفسه، ثم يحاكم إليها هذا التصور ويزنه بموازينها، إنَّما هو يتلقَّى موازينه ومقرَّراته من هذا التصور ذاته، وبتكليفٍ منه، ويستقيم على منهجه، كما يتلقى الموضوعية في هذا التصوُّر من المصدر الإلهي الذي جاء به لا من مصدر آخر خارجه، ثم هو الميزان الذي يرجع إليه بكافَّة ما يَعِنُّ له من مشاعر وأفكار وقِيَم وتصوُّرات في مجرى حياته الواقعية، كذلك ليزنها عنده ويعرف حقها من باطلها، وصحيحها من زائفها"[40].

    ب- المجال غيبي: هناك جوانبُ لا يدركها العقل، ولا تَصِل لها الحواسُّ، ويختصُّ بنقلها الوحي؛ كالذات الإلهية وأسمائها وصفاتها وأفعالها؛ ﴿ لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ ﴾ [الشورى: 11]، والمشيئة الإلهية: ﴿ كَذَلِكَ اللَّهُ يَفْعَلُ مَا يَشَاءُ ﴾ [آل عمران: 40]، ﴿ كَذَلِكِ اللَّهُ يَخْلُقُ مَا يَشَاءُ ﴾ [آل عمران: 47]، وعالم الغيب لا يُعلَم منه شيء إلا بإذنه، ولا نعلم تفاصيله إلا من الوحي: ﴿ عَالِمُ الْغَيْبِ فَلاَ يُظْهِرُ عَلَى غَيْبِهِ أَحَدًا* إِلاَّ مَنِ ارْتَضَى مِنْ رَسُولٍ ﴾ [الجن: 26- 27].

    كما أوضح الوحي مجال العقل؛ كي لا يرهق بالبحث في غير مجالاته: ﴿ وَعِنْدَهُ مَفَاتِحُ الْغَيْبِ لاَ يَعْلَمُهَا إِلاَّ هُوَ ﴾ [الأنعام: 59]، ففي الآية إرشادٌ إلى توجيه الطاقة الفكرية إلى المجالات القابلة للإدراك كي ما تحقق العمارة والخلافة والتمكين في الأرض، وتبتعد عما لا طاقة لها به، ولا طائل من وراء الخوض فيه، وفي هذا توفيرٌ للجهد وعدم إهدار للوقت في بحوث لا نهاية لها[41].

    ج- الكمال والخلود: ﴿ وَمَا أَنْزَلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ إِلاَّ لِتُبَيِّنَ لَهُمُ الَّذِي اخْتَلَفُوا فِيهِ وَهُدًى وَرَحْمَةً لِقَوْمٍ يُؤْمِنُون ﴾ [النحل: 64]، ﴿ وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلاَّ كَافَّةً لِلنَّاسِ بَشِيرًا وَنَذِيرًا ﴾[سبأ: 28].

    هذه المعرفة شاملةٌ لكل ما اختلف فيه الذين أنزل عليهم الكتاب، فالوحي نَزَل بالحق الكامل: ﴿ ذَلِكَ بِأَنَّ اللَّهَ نَزَّلَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ ﴾ [البقرة: 176]، هداية للناس الهداية الكاملة دون أن يحتاجوا إلى غيره مما لم يرشد إليه: ﴿ هَذَا بَصَائِرُ لِلنَّاسِ ﴾ [الجاثية: 20]، يبصر بها الناس الحق والحقيقة التي يبحثون عنها من كبرى اليقينيَّات، والمسائل الوجودية، والأخلاقية والأخروية، والجواب عن هذا لا يكون كاملاً إلاَّ في الوحي: ﴿ إِنَّ هَذَا الْقُرْآنَ يَهْدِي لِلَّتِي هِيَ أَقْوَمُ ﴾ [الإسراء: 9].

    والوحي هدايته خالدة، وشاملة لكل زمان ومكان؛ لأنه من عند من يعلم ويحيط بكل شيء مكانًا وزمانًا؛ ﴿ أَلاَ يَعْلَمُ مَنْ خَلَقَ وَهُوَ اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ ﴾ [الملك: 14]، والعقول مهما بلغت فلن تصل حتى إلى ما يقارب علمه؛ ﴿ وَلاَ يُحِيطُونَ بِشَيْءٍ مِنْ عِلْمِهِ إِلاَّ بِمَا شَاءَ وَسِعَ كُرْسِيُّهُ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضَ وَلاَ يَؤُودُهُ حِفْظُهُمَا وَهُوَ الْعَلِيُّ الْعَظِيمُ ﴾ [البقرة : 255].

    فالمعرفة من الوحي شاملة لحقائق الألوهية والربوبية، والكون المخلوق، ولحقائق الإنسان... فالكل يأخذ منها، وإن تفاوتوا في الأخذ والعطاء فليس تفاوتًا فيما يجب العلم به وإنما تفاوت في الفهم والاستزادة مما يعمِّق الفهم وييسِّره، ومن ثَمَّ فهي يقينٌ لكلِّ مستويات البشر، وجميع ظروفه وملابساته، وجميع أزمانه وأمكنته، وهي شاملة للكينونة الإنسانية بكلِّ ما فيها، ولما وراء هذه الكينونة الإنسانية بكلِّ ما فيها، وشاملة كذلك لمبدأ خلقه ومنتهاه، وشاملة لتفسير الوجود والمعرفة والقيم.

    د- التوازن والثبات: العلم المتلقَّى من الوحي صادرٌ عن الله - تعالى - في أصله؛ لذاك هو منزَّه عن الأهواء، والتأثُّر بالعوارض، والتَّغيُّر على حسب الأحوال، فنزوله كان عن علم محيط بالزمان والمكان، لكلِّ الظروف والوقائع، فكانت أحكامه ثابتةً، وما أنزل على قوم هو صالح لهم في كل عصورهم، وما أرسل للناس كافَّة هو لكلِّ الأقوام والأمم والأفراد أينما وُجِدوا وحيثما كانوا، فأصوله ثابتة تُسايِر المتغيِّرات، وهذا الثبات يكسبه التوازن في إصدار الأحكام، والمصدريَّة لليقين والحق، إذ المعيار كيما يتحاكم إليه لا بُدَّ أن يكون ثابتًا لا يتغيَّر، ومتوازنًا مع كل ما يحاكم إليه؛ قال - تعالى -: ﴿ وَأَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ مُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيْهِ مِنَ الْكِتَابِ وَمُهَيْمِنًا عَلَيْهِ فَاحْكُمْ بَيْنَهُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ وَلاَ تَتَّبِعْ أَهْوَاءَهُمْ عَمَّا جَاءَكَ مِنَ الْحَقِّ لِكُلٍّ جَعَلْنَا مِنْكُمْ شِرْعَةً وَمِنْهَاجًا وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ لَجَعَلَكُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً وَلَكِنْ لِيَبْلُوَكُمْ فِي مَا آتَاكُمْ فَاسْتَبِقُوا الْخَيْرَاتِ إِلَى اللَّهِ مَرْجِعُكُمْ جَمِيعًا فَيُنَبِّئُكُمْ بِمَا كُنْتُمْ فِيهِ تَخْتَلِفُونَ ﴾ [المائدة: 48]، فالله أنزل القرآن أفضل الكتب مشتمِلاً على الحق من الأحكام والأخبار، مصدِّقًا لما ورد في الكتب السابقة، ومؤكِّدًا عليها، مطابقًا لما فيها، مهيمنًا عليها بما فيه من زيادة عليها واستيعاب لها كلها، ففيه نبأ السابقين وخبر اللاحقين.

    ثم أمر النبي - صلى الله عليه وسلم - أن يتحاكم إليه؛ لأنه معيارٌ ثابت غير مضطرب ولا متغيِّر، ولا يتقلب ولا يرجع لأهواء الناس؛ لأنها لا قرار لها، وما لا مستقر له لا يُقَعَّد عليه، فمعلومٌ أن القانون والبديهي لا يكون إلا على تصوُّر صادق ثابت، فإن تصور أن ثباته ربما لا يناسب تحوُّلات الأزمنة وتنوع الأماكن والمجتمعات، وما يلحقها من تغير للتقاليد والعادات والثقافات، كان الردُّ أن لكل أمة مما سبق شرعةً في الأحكام التشريعية، وسنة وسبيلاً يتبعونه، وهذه الأمة هذا سبيلها، فالشرائع تتغيَّر بحسب تغيُّر الأمم في الأزمنة الغابرة؛ لأن كل أمة أنزل عليها تشريع.

    غير أن الأصول وهي العقائد ثابتة، لكن ما بعد نزول القرآن فكلها أمة واحدة تشملها شريعة وعقيدة واحدة؛ قال - تعالى -: ﴿ شَرَعَ لَكُمْ مِنَ الدِّينِ مَا وَصَّى بِهِ نُوحًا وَالَّذِي أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ وَمَا وَصَّيْنَا بِهِ إِبْرَاهِيمَ وَمُوسَى وَعِيسَى أَنْ أَقِيمُوا الدِّينَ وَلاَ تَتَفَرَّقُوا فِيهِ كَبُرَ عَلَى الْمُشْرِكِينَ مَا تَدْعُوهُمْ إِلَيْهِ اللَّهُ يَجْتَبِي إِلَيْهِ مَنْ يَشَاءُ وَيَهْدِي إِلَيْهِ مَنْ يُنِيب ﴾ [الشورى: 13]، فهذا ما استوى فيه الأنبياء - حتى أولو العزم - وهو التوحيد والأخلاق والقيم والآداب، فهي ثابتةٌ بين كل الأمم متوازنة مع زمانهم ومكانهم.

    هـ- العملية والإيجابية: الوحي يزوِّد الإنسان بمعرفة موضوعية ذات حقائق بالوجود وصور الخلافة فيه والسير في الأرض، بل الإيمان والمعرفة والتعقُّل وكل وسائل الإدراك كان ذمها في القرآن حال تعطيلها عن أداء العمل الذي تم إبلاغه بالعلم، فكلُّ علم انتفى عنه العمل فهو مذمومٌ في الوحي، فسوَّى بين وجود وسائل المعرفة وعدمها حال لم يبادر صاحبها إلى العمل بمقتضى العلم الحاصل معه؛ قال - تعالى - عمَّن تركوا العمل بما علموا: ﴿ كُلَّمَا أُلْقِيَ فِيهَا فَوْجٌ سَأَلَهُمْ خَزَنَتُهَا أَلَمْ يَأْتِكُمْ نَذِيرٌ * قَالُوا بَلَى قَدْ جَاءَنَا نَذِيرٌ فَكَذَّبْنَا وَقُلْنَا مَا نَزَّلَ اللَّهُ مِنْ شَيْءٍ إِنْ أَنْتُمْ إِلاَّ فِي ضَلاَلٍ كَبِيرٍ * وَقَالُوا لَوْ كُنَّا نَسْمَعُ أَوْ نَعْقِلُ مَا كُنَّا فِي أَصْحَابِ السَّعِير ﴾ [الملك: 8- 10]، فنفيهم للتعقُّل والسماع هو نفيٌ للاستجابة لمقتضى العلم الحاصل من الوحي.

    والوحي يبثُّ في واقع كوني محسوس، ويبرهن على صحَّته من الكون، ويرشد إلى الكون كمصدر للمعرفة، ويجعله محورَ استخلافٍ الوحيُ منهاجه، فالعمل أساسُ العلم في الوحي: ﴿ وَمَنْ أَحْسَنُ قَوْلاً مِمَّنْ دَعَا إِلَى اللَّهِ وَعَمِلَ صَالِحًا وَقَالَ إِنَّنِي مِنَ الْمُسْلِمِينَ ﴾ [فصلت: 33].

    فكان المنهج الربانيُّ واقعيًّا عمليًّا، يرفع الإنسان من حال التَّرَف الفكري إلى العمل الإيجابي القلبي، وعمل الجوارح لتسخير الكون لفائدته والتمكُّن منه، أو للقربة من خالق الكون بكل ذلك، وكلها تحقِّق التوازُن والانسجام والشمولية المعرفية الإدراكية والإرادية للإنسان؛ لأنها من عند من فَطَره: ﴿ فِطْرَتَ اللَّهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا لاَ تَبْدِيلَ لِخَلْقِ اللَّهِ ذَلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لاَ يَعْلَمُونَ ﴾ [الروم: 30]، ومخالفة فطرة الله - تعالى - التي خلق الناس عليها هي علَّة كل اضطراب فكري أو نفسي أو عملي، فهي أسُّ الفوضى في عالم البشر.

    ح- خصوصية الطريق: فالوحي علمٌ لآحاد الناس ممن اصطفاهم الله - تعالى - وعصمهم وهيَّأهم لحمل الرسالة، وليست للعامَّة ولا أحد له القدرة أن يكتسب الوحي، أو يصل إليه بعقله وقواه الإدراكية، مهما علا في العلوم، ومارس من رياضات قلبية.

    والخصوصية هنا في الطريق والموضوع المدرَك، أمَّا الخطاب فهو للناس كافَّة، فهم لا يصلون إلى مصدر الوحي، ولا ترتقي عقولهم إلى إدراكه عن الملائكة، أو عن الله - تعالى - لعلوِّه، لكن تصل إلى الخطاب النبوي فتأخذ العقول العلم الموحى به من سماع كلام الأنبياء؛ أي: خطابهم، وهذا شامل لكل الناس، فالإيحاء خاصٌّ، والموحى به يبلِّغ للناس عامَّة، فالنبوة خاصة والتكليف عام؛ ﴿ عَالِمُ الْغَيْبِ فَلاَ يُظْهِرُ عَلَى غَيْبِهِ أَحَدًا * إِلاَّ مَنِ ارْتَضَى مِنْ رَسُولٍ ﴾ [الجن: 26- 27].

    ط- خصوصية الغاية: القرآن الكريم ذكر مفهومين يوضِّحان أن الغاية الرئيسة:

    • معرفة الله والتقرُّب إليه.

    • إقامة العدل والقسط في المجتمع البشري.

    فالوحي أُنزِل ليُعَرِّف بالمصدر الإلهي، ويعرف بطرق إقامة العدل، والقسط في كل شيء؛ ﴿ لَقَدْ أَرْسَلْنَا رُسُلَنَا بِالْبَيِّنَاتِ وَأَنْزَلْنَا مَعَهُمُ الْكِتَابَ وَالْمِيزَانَ لِيَقُومَ النَّاسُ بِالْقِسْطِ ﴾ [الحديد: 25].

    "فالدعوة إلى الله ومعرفته والتقرب إليه هي التوحيد النظري والتوحيد العملي الفردي الاجتماعي، والتوحيد الاجتماعي هو مقدمةٌ ووسيلةٌ للوصول إلى الغاية السامية وهي الحركة إلى الله فقط"[42]، فالفلاح فلاحٌ دنيوي يكون بإقامة القسط والعدل والميزان في نواحي الدنيا النفسية والاجتماعية والمادية، حتى في الصناعة والزراعة والتجارة؛ لأنها كلها قائمة على قوانين ثابتة، والميزان لكل حركة وفعل وجزء ومادة وفكرة، فيكون بعده العدل ليكون الانتفاع والخير والاستفادة عن قدر منظم، فأصل النظام وجود الميزان، والميزان وُجِد لإقامة العدل، ولا نظام دون عدل في الفكر أو الفعل، والفلاح الدنيوي تمهيدٌ للفلاح الأخروي؛ بأن يسخر ذلك العدل والقسط لمعرفة المعبود والتقرُّب منه وإليه، وليكون العدل أكثر ثباتًا ويقينًا لا بُدَّ من تزكية له من منزل الميزان؛ لأنه هو من يعلم المقادير، فهو من يضبط العدل من الظلم.

    فالوحي هو ميزان العدل ومنهج للوزن، وإدراك الفلاح الدنيوي لإصابة الفلاح الأخروي.

     

    [1] "أساس البلاغة"؛ للزمخشري، 101.

    [2] "معجم ألفاظ العلم والمعرفة"؛ عادل زاير، ص21.

    [3] "المفردات"؛ للراغب، ص530.

    [4] "مناهل العرفان في علوم القرآن"؛ محمد عبد العظيم الزرقاني، دار الفكر العربي، القاهرة، ط(1)، 1995، ص46.

    [5] "مباحث في علوم القرآن"؛ مناع القطان، مؤسسة الرسالة، بيروت، ط(1)، 1995، ص33.

    [6] "التفسير الكبير"؛ الرازي، ج14، ص272.

    [7] "تأويل مشكل القرآن"؛ عبد الله بن مسلم بن قتيبة؛ شرح وتحقيق: السيد أحمد صقر، دار الثراث، القاهرة، ط(2)، 1973، ص373.

    [8] "كبرى اليقينيات الكونية"؛ محمد سعيد رمضان البوطي، دار الفكر، دمشق، ط(1)، 1997، ص183.

    [9] "المفردات"؛ الراغب، ص209.

    [10] "تاج العروس"؛ الزبيدي. ج9، ص67.

    [11] "التفسير الكبير"؛ الرازي، ج10، ص73.

    [12] "الوحي المحمدي"؛ محمد رشيد رضا، دار الكتاب، الجزائر، ط(1)، 1989، ص44.

    [13] "الرسول والوحي"؛ محمد سيد أحمد المسير، دار ابن كثير، بيروت، ط(1)، 1987، ص237.

    [14] "المقدمة"؛ ابن خلدون، ص15.

    [15] "نظرية المعرفة بين القرآن والفلسفة"؛ راجح الكردي، ص706.

    [16] "تيسير الكريم الرحمن"؛ السعدي، ص341.

    [17] يقول النورسي: إن الله - تعالى - الذي خلق هذا الكون؛ إظهارًا لألوهيته ومعبوديته على هيئة كتاب صمداني مجسَّم، بحيث تعبر كل صحيفة من صحائفه عن معاني الكتاب... وخلقه على شكل قرآن سبحاني مجسَّم؛ بحيث إن كل آية من آياته التكوينية، وكل كلمة من كلماته، بل حتى كل حرف منه، وكل نقطة - بمثابة معجزة تقدِّسه وتسبحه... وخلقه على صورة مسجد رحماني مَهيب، وزيَّنه بما لا يحد من الآيات، والنُّقوش الحكيمة، بحيث إن في كل زاوية طائفةً منهمكة بنوع من العبادة الفطرية لخالقهم الرحمن؛ فهل يمكن ألاَّ يرسل هذا الخالق المعبود الحق (أساتذة) ليدرسوا معاني ما في ذلك الكتاب الكبير، ويعلموا الناس ما فيه؟ أم هل يمكن ألاَّ يعين أئمة لذلك المسجد الأكبر، ليؤموا الناس الذين يعبدونه بأنماطٍ وأشكال مختلفة من العبادات؟ أم هل يمكن ألاَّ يزوِّد أولئك الأساتذة والمفسِّرين والأئمة بالأوامر السلطانية؟ حاش لله وكلاَّ... وألف مرة كلاَّ! ثم إن الخالق الرحيم الكريم، الذي خلق هذا الكون، إظهارًا لجماله ورحمته على ذوي الشُّعور، وحسن رأفته بهم، وكمال ربوبيته لهم، وليحثهم على الشكر والحمد... قد خلقه على هيئة دار ضيافة فخمة، ومعرض رائع واسع، ومتنزه جميل بديع، وأعدَّ فيه ما لا يُحدُّ من النِّعَم اللَّذيذة المتنوِّعة المختلفة، ونظَّم فيه ما لا يُعَدُّ من خوارق الصَّنعة وبدائعها الرائعة، فهل يمكن ألاَّ يتكلم هذا الخالق الرحيم الكريم بواسطة رسله مع ذوي الشعور من مخلوقاته في دار ضيافته الفاخرة هذه؟! أم هل يُعقَل ألاَّ يعلمهم وظائف شكرهم، وكيفية امتنانهم اتجاه تلك النعم الجسمية، ومهام عبوديتهم اتجاه رحمته السابغة وتودُّده الظاهر؟! كلا... ثم ألف ألف مرَّة كلاَّ! فبنو آدم قافلةٌ متسلسلة، راحلة من أودية الماضي وبلاده، مسافرة في صحراء الوجود والحياة، ذاهبة إلى شواهق الاستقبال... فكان لا بُدَّ أن يبرز من ظلمات العدم إلى ضياء الوجود بقدرة سلطان الأَزَل (الرسل الكرام) الذين اصطفاهم الله من بين البشر، وكلَّفهم بحمل الأمانة؛ ليوقظوا الناس من سباتهم: يا بني آدم من أين؟ إلى أين؟ ما تصنعون؟ مَن سلطانكم؟ مَن خطيبكم؟ ما دام الكونُ قد خلق لأجل الحياة، وأن الحياة هي أعظم تجلِّي، وأكمل نقش، وأجمل صنعة للحيِّ القيُّوم - جل جلاله... فإن حياة ذي الجلال السرمدية الخالدة تظهر وتكشف عن نفسها بإرسال الرسل وإنزال الكتب، إذ لو لم تكن هناك رسل ولا كتب لما عرفت تلك الحياة الأزليَّة، فكما أن المتكلِّم يبين حيويته، وحياته عند حديثه كذلك الأنبياء والكتب المنزلة تبين وتدل على ذلك المتكلم الحي، "النبوة وضرورتها للإنسانية"؛ بديع الزمان سعيد النورسي، إعداد: خديجة النبراوي، شوزلر للنشر، تركيا، ط(1)، 2000، ص (8- 9).

    [18] "نظرية المعرفة بين القرآن والفلسفة"؛ راجح الكردي، ص711.

    [19] طبيعة الوحي في أنه يتكامل مع الإنسان، متميزًا عن المناهج البشرية والقوانين الوضعية كافَّة، فسمة الواقعيَّة تقتضي أن يتعامل الإنسان (النبي) مع الإنسان (المدعو) بلغته، وطبيعته، وسمات الشخصية الإنسانية المشتركة؛ كي يصل الخطاب الموحَى إلى المدعو ناصعًا أبلج، ويؤكِّد هذا المعنى أنَّ عملية تلقِّي الوحي حقيقة خارجية، لا علاقة لها بحديث النفس المجرَّد، ولكنها استقبال من ذات أخرى مباينة، "نظرية المعرفة في القرآن الكريم"؛ أحمد الدغشي، ص355.

    [20] "إلجام العوام"؛ لأبي حامد الغزالي، ص(39 94).

    [21] "تجديد الفكر الإسلامي"؛ محسن عبد الحميد، م ع ف إ، واشنطن، ط(1)، 1990، ص114.

    [22] "ضوابط المعرفة"؛ الميداني، ص135.

    [23] "كبرى اليقينيات الكونية"؛ البوطي، ص186.

    [24] "مجموع الفتاوى"؛ ابن تيميَّة، ج19، ص155.

    [25] "المنقذ من الضلال"؛ أبي الغزالي، ص (48- 49). 
    يقول إقبال: وفي الحق أن الطريقة التي استعمل بها القرآن لفظ (الوحي) تبين أنه يَعُدُّ الوحي صفةً عامة من صفات الوجود، وإن كانت حقيقته وطبيعته تختلفان باختلاف مراحل التدرُّج والتطوُّر في الوجود، فالنبات الذي يزكو طليقًا في الفضاء، والحيوان الذي ينشئ له تطوُّره عضوًا جديدًا ليمكنه من التكيف مع بيئة جديدة، والإنسان المستلهم للنور من أعماق الوجود - كلُّ أولئك أحوال من الوحي، تختلف طبيعتها وفقًا لحاجات مستقبل الوحي، "تجديد التفكير الديني"؛ محمد إقبال، ص143، نقلاً عن: "نظرية المعرفة"؛ أحمد الدغشي، ص306.

    [26] "نظرية المعرفة بين القرآن والفلسفة"؛ راجح الكردي، ص720.

    [27] من دلائل النبوة علمهم بالتاريخ السحيق، والأخبار التي لا يدركها إلا قلَّة من الناس، كما سُئِل نبيُّنا من اليهود عن أهل الكهف، وذي القرنين، ولا علم له بالتاريخ، ولا بالكتب، ولا بالقراءة أصلاً، فأجابهم بعد أن بلغه جبريل.

    [28] جعل البعض خصائص الأنبياء امتيازات هي: الإعجاز، العصمة، القيادة، الإخلاص، البناء، الجهاد، "الوحي والنبوة"؛ مرتضى مطهري ترجمة: عباس الترجمان، دار المحجة البيضاء، بيروت، ط(1)، 2000، ص 159.

    [29] "نظرية المعرفة بين القرآن والفلسفة"؛ راجح الكردي، ص725.

    [30] المرجع السابق: ص732.

    [31] "زاد المسير"؛ ابن الجوزي، ص 1273.

    [32] "تيسير الكريم الرحمن"؛ السعدي، ص 783.

    [33] "فتح الباري"؛ ابن حجر، ج1، ص 114.

    [34] "نظرية المعرفة بين القرآن والفلسفة"؛ راجح الكردي، ص 771.

    [35] "الكليات"؛ الكفوي، ص668.

    [36] "صحيح البخاري"؛ البخاري، ج1، ص219.

    [37] "زاد المسير"؛ ابن الجوزي، ص442.

    [38] "الوحي المحمدي"؛ رشيد رضا، ص207.

    [39] "الفرقان بين الحق والباطل"؛ أحمد بن تيمية؛ تحقيق: حسين يوسف غزال، دار إحياء العلوم، بيروت، ط (3)، 1987، ص32.

    [40] "خصائص التصور الإسلامي ومقوِّماته"؛ سيد قطب، ص 45.

    [41] ذلك لأن منهج الإسلام يمتاز بخصائص لا تتوفر في سواه:
    أولاً: أنه منهج إلهي قرآنًا وسنة، ثابت لا يتغير، حيٌّ في مرونة، وخصبٌ يتجاوَب مع الفطرة الإنسانية، فيلبي حاجات الإنسان، ويتابع قضايا العصر، ويعطي الحياة أنبل العطاء، يؤمن بالعقل ومقدرته على الاستنباط والاجتهاد.
    ثانيًا: أنه ينظر إلى الإنسان على أن الله خلقه جسمًا كثيفًا، وروحًا شفيفًا.
    ثالثًا: أن مبادئه ليست خيالاً ولا مثاليةً، بل واقعية تطبيقية، "خصائص مدرسة النبوة"؛ كمال محمد عيسى، دار الشروق، جدة، ط(1)، 1962، ص(40 48).

    [42] "الوحي والنبوة"؛ مرتضى المظهري، ص 34.

     

    فالوحي لغة هو: الإشارة، والكتابة، والرسالة، والإلهام، و الكلام الخفي وكل ما ألقيته إلى غيرك يقال: وحيت إليه الكلام وأوحيت. انتهى من لسان العرب.
    وهو الإعلام الخفي السريع الخاص لمن يوجه إليه بحيث يخفى على غيره.
    وأما تعريف الوحي شرعاً فهو: التعليم الصادر من الله الوارد إلى الأنبياء، فهو أخص من المعنى اللغوي بخصوص مصدره (الله) ومورده (الأنبياء)، والوحي نوعان: تعليم بواسطة ملك، وتعليم مباشر بلا واسطة ملك، وكلاهما يصح أن يكون في اليقظة أو في المنام وهي "الرؤيا الصالحة"، والتعليم المباشر يكون إما بالإلهام وهو إلقاء المعنى في النفس، أو بالكلام من وراء حجاب أي بدون رؤية.
    والتعليم بواسطة له صور: 
    1- أن يشاهد النبي الملك عند الوحي ويراه في صورته الحقيقية، وهذا نادر.
    2- أن يشاهد النبي الملك عند الوحي ويراه في صورة بشر. 
    3- أن لا يرى النبي الملك عند الوحي، بل يسمع دوياً وصلصلة فتعتريه حالة روحية غير عادية، حتى إذا قضى الملك رسالة ربه عاد إلى عادته. انتهى بتصرف من كتاب الوحي المحمدي لمحمد رشيد رضا. 
    والله أعلم.                                                                      


    وسأقصر حديثي علي عرض مفهوم الوحي من وجهة نظر مسيحية 
    وانتظر أن يقوم أحد الأعزاء الدارسين من المسلمين بكتابة مداخلة عن "مفهوم الوحي في الإسلام". 
    ليس بهدف الرد أو المقارنة أو المفاضلة 
    بل بهدف أن يفهم أحدنا الآخر بطريقة افضل ويفهم كل منا كيف يفكر الآخر. 
    وفهم أحدنا للآخر سيقلل من سوء الفهم ويعمق الصداقة والتقارب. 
    كلمة "وحي" تعني أن الله يقدم لإنسان (نبي أو رسول) رسالة ليوصلها إلى كل البشر. 
    أما كيف يتم ذلك (حسب المفهوم المسيحي)؟ 
    فهذا ما شرحه الرسول بطرس في رسالته الثانية قائلاً: 
    "لأنه لم تأت نبوة قط بمشيئة إنسان بل تكلم أناس الله القديسون مسوقين من الروح القدس" 

    ومن هذه الآية الواضحة نري الأتي: 
    1- 
    النبوة (الوحي) لا تأتي بمشيئة إنسان (النبي أو الرسول) بل بمشيئة الله. 
    2- 
    الذي يتكلم بالنبوة إلى البشر هم (أناس الله). 
    3- 
    الدافع للكتابة والمحدد لموضوع الكتابة هو (الروح القدس = روح الله) 
    الذي ساقهم (دفعهم للكتابة) وليس أي دافع شخصي. 

    ونري في الوحي المسيحي انه ليس وحياً حرفياً(Verbal Inspiration) 
    بمعني الوحي الذي فيه يملي الله الكاتب نصاً محدداً وكلمات معينة . 
    بل هو وحي معني (Meaning Inspiration) 
    بمعني أن الروح القدس (روح الله) يقود الكاتب إلى كتابة (أفكار ومعاني محددة) 
    ويترك للكاتب الحرية لاستخدام كلماته الخاصة وثقافته الخاصة وأسلوبه الشخصي للتعبير عن تلك الأفكار، 
    لكن الروح القدس (روح الله) يحفظه من الخطأفي توصيل فكر الله. 

    إذن الوحي يشمل 3 جوانب : 
    1. 
    الروح القدس (روح الله) الذي يقدم الفكر والمضمون ويحفظ الكاتب من الزلل. 
    2. 
    النبي أو الرسول الذي يعبر عن تلك الأفكار بأسلوبه الشخصي. 
    3. 
    القارئ أو المتلقي الذي يفهم هذه الأفكار. 

    إذن الوحي المسيحي وحي ديناميكي يتفاعل فيه 3 عناصر : 
    1- 
    الله 
    2-
    والنبي 
    3-
    والمتلقي 
    وبذلك تصل الرسالة من الله للبشر بطريقة تفاعلية لذلك نقرأ التعبير المسيحي عن كلمة الله أنها (حية). 

    ترفض المسيحية فكرة الوحي الإملائي(Mechanical Inspiration) 
    لأنه وأن كان فيه الجزء الإلهي إلا أن دور النبي والقارئ في التفاعل مع الوحي يكون غائباً 
    وسيقتصر دور النبي علي كونه كاتب يملي نصاً فيكتبه 
    وهذا الإملاء من وجهة نظر المسيحية يلاشي دورالكاتب 
    ويجعل من القارئ أسيراً للنص المملي، 
    وليس للكاتب أو القارئ أن يتفاعلا أو يتجاوبا مع فكر الله في الوحي. 

    وتقبل المسيحية بسهولة ترجمة الوحي إلى لغات متعددة
    حيث ان الترجمة (الدقيقة والأمينة) ستوصل فكر الله للقارئ (وهو المطلوب) 
    وكلما وجدت ترجمة أدق لا مانع من استخدامها بشرط صحتها ومطابقتها لمحتويات النص الذي كتبه الرسول. 
    أعزائي أرجو أن أكون قد وفقت في عرض فكر المسيحية عن الوحي 
    وانتظر من أحد الأخوة الدارسين من الجانب المسلم أن يقدم لنا عرضا لمفهوم الوحي في الإسلام 
    لا لكي نتقارع الحجج ونتعارك عن أي المفهومين افضل 
    بل لكي يعرف أحدنا الآخر بطريقة هادئة خالية من العصبية والتناحر 
    فالفهم المتبادل هو هدفنا والتواصل رغم الاختلاف غايتنا.

    الوحي شرعا : إعلام الله ، رسولا من رسله أو نبيا من أنبيائه ، ما يشاء من كلام أو معنى بطريقة تفيد النبي أو الرسول العلم اليقين القاطع بما أعلمه الله به" ( 13 ) .

     

    أو هو " كلام الله تعالى المنزل على نبي من أنبيائه"( 14 ).

     

    نلاحظ أن هذا التعريف قد جاء بمعنى "الموحى"(أسم المفعول).

    ومن مجمل النصوص القرآنية فقد عرفه الأستاذ الشيخ محمد عبده في رسالة التوحيد بأنه" عرفان يجده الشخص من نفسه مع اليقين بأنه من الله بواسطة أو بغير واسطة ، والأول بصوت يتمثل لسمعه أو بغير صوت"( 15 )

     

    : ب - موضوع الوحي وكيفيته

    يتضح لنا من الكتاب المسلمين أن موضوع أو مضمون الوحي هو كلام الله الموحى إلى محمد(أو الرسل والأنبياء قبله) لكي يبلغه إلى الناس،وان مجموع ما أوحى إليه يؤلف كتاب الله وهو "القرآن"ونفهم من ذلك أن القرآن هو كلمة الله ذاتها أو بمعنى آخر أن الوحي في الإسلام يكون القرآن الذي أصبح موضوع إيمان المسلم فلابد لنا ، إذن من التعرف إليه والإطلاع على مضمونه

     

    كيفية الوحي

     

    تختصر آية قرآنية كيفية اتصال الله بالإنسان وهى :"وما كان لبشر أن يكلمه الله إلا وحيا ،أو من وراء حجاب أو يرسل رسولا فيوحي بأذنه ما يشاء انه على حكيم "(الشورى: 51) فاستنادا إلى الآيات القرآنية والحديث استخلص المسلمون أنواع الوحي المختلفة ، وميزوا طرق الوحي فمنها ما كان بغير واسطة ومنها ما كان بواسطة

     

    الوحي بواسطة

     

    ويتم ذلك كما تذكر الآية " من وراء حجاب " أي أن الله يسمع كلامه دون أن يراه السامع وهذا ما حدث لموسى في الطور . أو أن يتم بإرسال ملاك ترى صورته المعينة ، أو يتراءى للرسول بشكل رجل ، ويسمع كلامه ، فيوحي إلى الرسول ما أمره الله أن يوحيه إليه...وهذا ما يحدث لأكثر الأنبياء ، وكما حدث خصوصا لمحمد ( 22 )

     

    نزول الوحي على محمد

    يستند الكتاب المسلمون إلى القرآن والحديث ليصفوا لنا تطور نفسية محمد أمام الوحي الإلهي .ويعتقدون بأن الله اتبع عدة مراحل في تهيئة هذه النفسية حتى يستطيع قبول هذا الوحي. فلقد جاء في الحديث على لسان عائشة زوجته:"أول ما بدء به رسول الله ..من الوحي الرؤيا الصالحة في النوم ، فكان لا يرى رؤيا إلا جاءت مثل فلق الصبح" ( 23 ).ويبدو ، حسب رأي المسلمين ، أن محمدا كان في الأربعين من عمره عندما كلمه جبريل لأول مرة في غار حراء فقال له: "أقرأ باسم ربك الذي خلق ، خلق الإنسان من علق اقرأ وربك الأكرم ،الذي علم بالقلم ،علم الإنسان ما لم يعلم"( العلق:1-5)

    وفتر الوحي الإلهي بعد ذلك خلال ثلاث سنوات . فأصاب محمد الحزن الشديد ،لكنه كان يزداد شوقا للوحي ،ولكن الله أنزل عليه الآيات التالية في سورة المدثر:"يا أيها المدثر ،قم فأنذر ،وربك فكبر ،وثيابك فطهر،والرجز فأهجر، ولا تمنن تستكثر، ولربك فأصبر"(المدثر: 1-7). ثم هدئ روعه، فأصبح في استعداد لملاقاة الملاك جبرائيل الذي كان صوته يشبه صلصلة الجرس، كما ورد في الحديث قوله:"أحيانا يأتيني مثل صلصلة الجرس وهو أشده على فيفصم عنى (ينكشف، ينجلي) وقد وعيت عنه ما قال .وأحيانا يتمثل لي الملاك رجلا فيكلمني فأعي ما يقول ".ثم حمى الوحي وتتابع خلال عشرين سنة في أمكنة مختلفة

    أما حالته لدى نزول الوحي ، فقد وصفته عائشة بقولها:"ولقد رأيته ينزل علية الوحي في اليوم الشديد البرد فيفصم عنه ،وان جبينه ليتفصد عرقا" .كما كان يشعر أحيانا بثقل كبير وكان محمد في جميع الحالات واعيا لا يخلط أبدا " بين شخصيته الإنسانية المأمورة المتلقية وشخصية الوحي الآمرة المتعالية " ( 24 ). ويتعلم بدقة ما يلقنه الملاك ثم يحمل الوحي إلى قومه دون أن يكون له أي تدخل في مضمون الوحي وألفاظه(يونس:15- 16، الأنعام: 5.)

    وسلام عليكم ورحمة الله و بركاته بقلم صاحب الموقع ومعدل منه وماخود من بعد الروابط

    شارك الموضوع ليستفيد الجميع


    0 تعليقات على " ماهو الوحي "

    ثبحت عن مقال ؟

    أرشيف المدونة الإلكترونية

    تغريداتي

    عداد التواصل الإجتماعي

    نموذج الاتصال

    الاسم:

    بريد إلكتروني:

    رسالة :

    عن الموقع

    كوميديا

    المتابعون

    اخبار

    المزيد

    المواضيع المختارة

    حصريات

    المزيد

    حلقات

    المزيد
    جميع الحقوق المحفوظة ل Doucumnt تصميم قالب عالم مدون و حسين سليم